كنا
في صف مدرسة ابتدائية بالعاصمة أنقرة. ننتظر قدوم المفتش ذو البزة السوداء؛ صامتين
بين وهلة وأخرى. البنت الجالسة أمامي كانت قد أصابها القمل في الأسبوع الماضي. فقصوا
شعرها. كنت جالسة أحدق في قفاها وحلقات اذنها الدائرية الذهبية. اعتدت الجلوس في المؤخرة
دائما لكوني طويلة. ولجلوسي في الخلف وعدم تحدثي .مع أحد إلا في ماندر وكوني “الفتاة
المعقّدة” كنت أشاهد العالم من زاويتي تلك.
أظافر
معلمتنا طويلة, معتنى بها وحمراء. عند تصرفنا بشقاوة أو إجابتنا إجابة غير صحيحة كانت
تقرص شحمة آذاننا وتغرس أظفارها بها. كنا نهابها. لا أعرف إن كنا نحبها أم لا. خوفنا
الشديد منها لم يترك مجالا للحب بيننا.
في أحد
أركان الغرفة كان هنالك دولاب مقفل. عيني معلقة به دائما. زجاجه معتم, لايرى مابداخله.
لكنني أعرف أن بداخله كتبا مرفوفة مغلفة بأغلفة بلاستيكية :”حول العالم في ثمانين يوما,
فادش, ابنة البهلوان, السريّون السبعة…”. وبسبب قدوم المفتش اليوم قالت المعلمة: افتحوا
الدولاب , وسيُغلق عندما يذهب المفتش. كنا ندرس في المدرسة فوائد القراءة, وفي البيت
نسمع من الكبار عن كونها شيئا عظيما. ولكننا لا نرى أي كبير حولنا يقرأ كتابا. وعندما
نريد أن نقرأ يقفلون على الكتب بحجة أننا سنوسخها.
لدي
فضول لأعرف ماإذا كان منعنا من لمس الكتب في تلك الأيام هو مايجعلني أمارس التظليل
والتنكيث الدقيق مع كتبي المفضلة حاليا؟ لدي حساسية من المكتبات ذوات الواجهات الزجاجية.
لتُترك الكتب حرة. ولتكن بلا مالك حتى. لتنتقل من يد إلى يد, ومن لسان إلى لسان. لننس
كتبنا التي قرأناها عمدا في الباصات والميترو والمقاهي وعيادات الأسنان. حتى يجدها
غيرنا فيأخذها ويقرأها. ثم لينسها هو بدوره عندما ينتهي منها في مكان ما. لنترك الأحرف
بعيدة عن قيد التملّك. لتكن كالبدو الرحل.
في جامعة
بوفالو بأمريكا قاموا بدراسة مثيرة للاهتمام. وزعوا لعينة من 140 طالبا روايتين من
روايات الشباب المشهورة. (شفق لستيفاني ماير, وهاري بوتر لرولينغ). ثم اخذوا بمراقبة
التغيرات التي تطرأ عليهم. بدأ الطلبة على الفور بإطلاق ألقاب “مصاص دماء” و”ساحر”
على بعضهم البعض. إلى هذا الحد كل شيء يعتبر طبيعيا. الجانب المدهش في الموضوع هو بدء
القسم المسؤول عن “التعاطف والتشارك الوجداني” في الدماغ على العمل بشكل مكثف. الباحثون
هنا لا يتحدثون عن كتب التاريخ ولا البحوث , بل عن روايات تعتمد على قوة الخيال.
قارئوا
الروايات يملكون حسا تعاطفيا متطورا. اما بالنسبة لمن لا يقرأون الروايات فهذا الحس
لا يتطور لديهم.
التعاطف,
القدرة على أن تضع نفسك مكان غيرك, وتشاهد الدنيا بعينيه. وبالتالي امتلاك قابلية ابعاد
نفسك عن الكبر, ورؤية كل الناس على خطأ, وظن نفسك جميلاً وكل الناس قبيحين.
القدرة
على التعاطف هي ميزة يفتقدها القتلة, والظالمين, والديكتاتوريين, والميّالين إلى الشدة
والقسوة والمفتونين بأنفسهم.
دراسة
أخرى مثيرة للاهتمام عُملت في جامعة ليفربول بإنجلترا ونشرت تفاصيلها في صحيفة التلغرف
.أٌعطيت للعينة المدروسة روايات تاريخية لشكسبير و توماس اليوت ونصوص شعرية. ثم بدأوا
بمراقبة نشاط أدمغة أفراد العينة على الشاشة بينما هم يقرأونها. مالاحظوه أن أجزاء
عديدة من الدماغ لا تنشط أثناء الاستخدام اليومي كانت تتنشط وتزداد طاقتها. وكلما كان
النص أصعب, كان الدماغ يتنشط ويتغذى بشكل أكبر! معنى ذلك أننا يجب ألا نرمي بالروايات
التي نقول عنها “لغتها ثقيلة, لا نستطيع قراءتها” جانبا. فعند مصادفتنا لمفردات لا
نعرف معانيها وسط النص, فإن دماغنا يبدأ في تخمين معانيها, ننظر إلى المعجم, وفي اليوم
التالي نستخدمها في جملة. ولو وجدنا أفكارا جديدة لم نسمع بها من قبل, نزنها بعقلنا.
وإذا فاجئنا الكاتب من حيث لم نتوقع, نهتز عاطفيا. كل هذه الأشياء لها فائدة كبيرة
على الدماغ. فدماغ الانسان لا يتغذى على السهولة, بل على الصعوبة. لذلك يقول العلماء
أن “قراءة شكسبير تفيد الدماغ.”
عندما
تقرأ رواية فإن دماغك بشكل عام, والجزء الأيمن منه بشكل خاص ينشط بشكل كبير. وهو نفس
الجزء الذي تقع به ذاكرتنا الشخصية. هذا يعني أننا عندما نقع في حب رواية فإننا لا
نعجب بالحكاية, والسرد, والشخصيات فقط. بل نحاول أن نلتقط التشابهات الموجودة بين الرواية
وحياتنا.
لذلك
يقول الأطباء النفسيون في الغرب :بدل أن تشتروا كتبا عن العلاج والتداوي, اقرأوا شكسبير
وبالزاك, ودويستوفيسكي. وستلحظون الفرق بأنفسكم.
ومادمنا
نحن أيضا في غمار عملية سلام –كردية تركية- مهمة, فإننا في هذا الوقت بأمس الحاجة إلى
القدرة على التعاطف ورؤية الأمور بأعين غيرنا.
في الماضي
كان اختيار الكتاب يتم بناء على الدار الناشرة له, وعلى اساس ايديولوجي. لكن تلك الجدران
انهدت. ووصلنا إلى زمن يقرأ فيه اليساري لليميني, واليميني لليساري. الموسم الحالي
موسم تفاهم وسلام. لذلك فإننا بحاجة ملحة إلى قراءة الروايات, وإزالة الأقفال من على
الكتب أكثر من أي وقت مضى.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق