سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية ، الجزء الثاني
السلطان عبد الحميد والقوميات المختلفة
أما ما قدمه السلطان لدعم دعوته بين قوميات مختلفة من المسلمين، فهو لم يكتف بمطالبتهم بالالتفاف حول الخلافة بل قام بجهود أوجدت أرضية مادية صالحة لانتشار فكرته كما سيأتي ، وعلى الصعيد السياسي قاومت الخلافة في زمن السلطان مشاريع التفتيت الغربية ، بفكرته الإسلامية التي استهدفت التصدي للعدوان الغربي على المسلمين ولهذا أصبحت غولاً مرعباً لأوروبا بتعبير بعض المؤرخين[60]، ولم ينكر حتى الزعيم الشيوعي ومؤسس الاتحاد السوفييتي فلاديمير لينين الطابع التحرري المضاد للإمبريالية الغربية في فكرة الجامعة الإسلامية التي تحاول”توحيد الحركة التحررية ضد الإمبريالية الأوروبية والأمريكية بتثبيت مواقع الخانات والإقطاعيين والشيوخ الدينيين ومن شابههم”[61]، وقد نتج عن تبني هذه الفكرة أن ظلت الهوية الجامعة هي التي تلم شعث عناصر الدولة المختلفة ولم تظهر الانقسامات القومية إلا بعد خلع السلطان ومجيء القوميين الاتحاديين إلى الحكم 1908-1909، وقد دعم السلطان هذه الفكرة بمشاريع حيوية كسكة حديد الحجاز التي بنيت بأموال المسلمين دون اللجوء إلى الديون الأجنبية وعدّتها بريطانيا مناهضة لمصالحها فعملت على تعطيلها ثم تدميرها فيما بعد ومازلنا عاجزين عن إعادة تشغيلها كما كانت، وبث الدعاة والمبعوثين والمطبوعات في ديار المسلمين لتشجيعهم على الالتفاف حول الخلافة، وقاوم مشاريع الاستيطان الغربية إضافة للاستيطان الصهيوني الذي وعد بتسوية ديون الدولة وهو عرض شديد الإغراء لدولة غارقة في الديون، ورفضت الدولة إلى جانبه مشاريع استيطان فرنسية وبريطانية وأمريكية بل حتى من ألمانيا حليفة العثمانيين التي لم تتمكن من تنفيذ استيطانها لأن الدولة العثمانية فضلت أن توقف الألمان “عند حدهم” وإفهامهم أن عليهم العدول عن فكرة إنشاء مستعمرات في بقاع شتى من الأرض والاكتفاء بمد نفوذهم إلى خليج إيران[62]لكي تظل الأراضي العثمانية الفارغة مخزوناً للمسلمين المضطهدين في أوروبا وروسيا كالشركس والشيشان والبشناق ومسلمي اليونان وألبانيا وبلغاريا، وظلت الخلافة لا تعترف بالتغيرات السياسية التي صنعها الاحتلال الأوروبي حتى آخر أيامها، ورغم رمزية هذا الإنجاز في مواجهة الآلة العسكرية الاستعمارية فإن الدول الغربية أصرت على انتزاع تخلي تركيا الكمالية عن السيادة العثمانية على ما عدا الأناضول في اتفاقية لوزان (1923) وذلك ليصفو لها جو احتلال هذه البلاد العربية قانونياً[63]، وهو ما حققه لها كمال أتاتورك بكل سهولة واشترى به استقلالاً موهوماً لتركيا ليربطها حقيقة بذيل أوروبا وهو وضع رفضته الدولة العثمانية في أشد ساعات تراجعها وقامت في النهاية بدخول الحرب الكبرى الأولى للوقوف ثانية على مستوى بقية الدول الكبرى، وقد كشف الأستاذ أحمد الشقيري رحمه الله عن بطلان التخلي التركي عن الأملاك العثمانية للدول الاستعمارية لأن الجمهورية التركية كيان مختلف عن الدولة العثمانية ولا تؤلف إلا جزءاً منها ولا يحق لها التصرف في كل أملاكها أوالحلول محلها[64].
أولا:السلطان عبد الحميد والأكراد
كانت بلاد الأكراد في بداية عهد السلطان تموج وتغلي بالثورة على الحكم العثماني، كثورة الشيخ عبيد الله سنة 1879م وثورته الكبرى في السنة التالية التي كان ينوي بها الانفصال عن الدولة وطلب دعم بريطانيا والدول الكبرى لذلك، إلا أن معارضة الزعامات الكردية لهذا المشروع وسياسة اللين التي اتبعتها الدولة تجاهه بالإضافة إلى قيام السلطان بتأسيس “الأفواج الحميدية” من الأكراد سنة 1890م لحمايتهم من الاعتداءات الأرمنية ومعارضته الشديدة لتأسيس دولة أرمنية تهيمن عليها بريطانيا في شرق الأناضول رغم الجهود المتواصلة التي بذلها الإنجليز في هذا المضمار بعد مؤتمر برلين (1878) لفرض إنشاء محمية أرمنية في الدولة العثمانية لتكون مركزاً للنفوذ البريطاني الذي حاول مع أوروبا وروسيا الانتقام من العثمانيين باستخدام بعض الأرمن أدوات لمشروع الهيمنة الغربية والروسية ثم تخلى عنهم بعد أن بذر الخلاف الدموي بينهم وبين المسلمين وقطع حياة طويلة مستقرة استمرت لقرون بين الطرفين، كل ذلك أدى إلى استجابة الأكراد لوفود العلماء الذين أرسلهم السلطان وحدوث تحول جذري في مشاعرهم تجاه الدولة وقبولهم بالتالي لسلطتها، وبذلك “غابت عن ساحة كردستان العثمانية أية ثورة كردية ذات أثر” كما يقول الدكتور عبد الرءوف سنو[65] ، وقد ظلت ذكرى السلطان حية حتى بعد عزله عن السلطة ثم بعد وفاته وذلك حين أعلن الشيخ سعيد ثورته في كردستان على الحكم الكمالي سنة 1925 منصباً أحد أبناء السلطان عبد الحميد ملكاً على الأكراد[66] وهو مما يلفت النظر في ضوء التوتر القومي الذي أوجده الحكم الجمهوري في الأناضول ومما يلقي ضوءاً على طريقة حل المشكلة التي ما زالت قائمة إلى اليوم في تركيا المعاصرة.
وليس من الصحيح أن الجامعة الإسلامية هي التي حرمت الأكراد من قيام دولة خاصة بهم كما تذهب لهذا بعض الآراء[67]، ذلك أن الدولة العثمانية كانت دولة لكل المسلمين ولا يصح أن توصف حتى بأنها دولة تركية، فلم يكن في عهدها دولة لأية قومية من المسلمين وكانت هي دولة جامعة لهم، فلما أسقطت وقضي عليها كان الاستعمار الغربي الذي سيطر على بلادنا هو الذي قسمها وفقا لمصالحه وتوازن القوى بين أركانه دون أي اهتمام لرغبات السكان الأصليين، فالعرب مثلا طالبوا بدولة واحدة فمنحهم الكرم الاستعماري أكثر من عشرين دولة، في الوقت الذي قمع الحكم الكمالي-الذي قطع كل صلاته بالجامعة الإسلامية وتحالف مع الغرب- الأكراد قمعاً دموياً كما قمع الغرب رغبتهم في الدولة وقسم بلادهم بين الدول العربية وتركيا وإيران ، بل إن الأرمن الذين طالما أثارهم الغرب للمتاجرة بهم وبقضيتهم تخلى عنهم في نهاية المطاف ولم يمنحهم الدولة حتى قام البلاشفة أعداء الأوروبيين والأمريكيين بمنحهم دولة خاصة ضمن الاتحاد السوفييتي، والخلاصة أن المصالح الاستعمارية هي التي رسمت ملامح المنطقة في النهاية وليس سياسة الجامعة الإسلامية .
ثانيا:السلطان عبد الحميد والقوميات التي ابتليت بالاحتلال الأجنبي
كان السلطان يفتح أراضي بلاده للمسلمين الذين احتلت بلادهم وكانت فيما سبق تابعة للدولة العثمانية، ومن أمثلة ذلك إسكانه لكثير من مسلمي القوقاز في شرق الأردن بعد اجتياح الروس لبلادهم في حرب سنة 1877م، كما أسكن مسلمي كريت بعد طردهم منها بعد الحرب مع اليونان سنة 1897م في أراضي الدولة وخاصة في حي المهاجرين في دمشق، بل إن العاصمة استانبول نفسها عجت بأكثر من مئتي ألف من المهاجرين الهاربين من البلقان أثناء الحرب مع روسيا وقدمت الدولة لهم كثيرا من المساعدات والتسهيلات رغم ظروفها الاقتصادية الصعبة آنذاك.
ويقول المؤرخون إن بداية الهجرة من القوقاز والبلقان كانت قبل الحرب العثمانية الروسية، وربما عاد التاريخ بها إلى خمسينيات القرن التاسع عشر، ولكن النزوح وصل قمته بعد هذه الحرب فوزعت الدولة اللاجئين على أنحاء مختلفة منها أرجاء الأناضول و بلاد الشام، ويقول المؤرخ نورمان لويس إن عملية اللجوء استمرت بعد ذلك لأن أهل القوقاز رفضوا التجنيد في الجيش الروسي ودفع الضرائب للحكومة وأنفوا من الحكم القيصري، وقد رحبت الدولة العثمانية بهم بصفتهم جنوداً أو مستوطنين جدداً “وقد اهتم السلطان عبد الحميد شخصيا بأمرهم وأعطيت التعليمات لموظفي الحكومة في استانبول والولايات، وبخاصة بعد سنة1887، لعمل كل ما يمكن للتقليل من المشاكل المصاحبة لتحرك المهاجرين واستقرارهم”، ووزعت عليهم الأموال ومساعدات أخرى بالإضافة إلى الإعفاء من الضرائب والتجنيد بالإضافة إلى منحهم أراض للاستقرار والزراعة فكانوا أول من أعاد الحياة المستقرة لنواح في شرق الأردن كعمّان مثلاً واستفادت الدولة العثمانية منهم في عملية إنشاء سكة حديد الحجاز وقامت مستوطناتهم بحراسة هذا الخط الذي أنعش الحياة على جانبيه، وقد لاحظت الدبلوماسية البريطانية غيرترود بيل سنة 1902 أن محور سلطة السلطان في منطقة شرق الأردن موجود في النمو السريع والازدهار غير المسبوق للمستوطنات الشركسية التي تلقت العناية والأراضي من الحكومة فجعلت البرية تزهر كالورد أينما حلت، وأنه قبل عشرين سنة لم تكن هذه المستوطنات قد وجدت بعد وقبل خمسة عشر عاماً كانت منازلها صغيرة والآن (1902) هي قرى كبيرة ومزدهرة[68] .
ومع أن صداماً وقع بين المستوطنين الجدد وعشائر البلاد الأصلية تذكر بتجربة الاستيطان الأمريكي في مواجهة عشائر السكان الأصليين في نفس الفترة في سهول أمريكا، فإن نتائج التجربتين اختلفت جذرياً، ففي التجربة العثمانية أدت المواجهة بين المستوطن والبدوي إلى أن يتغلب البدوي على خوفه من حياة الاستقرار بشكل تدريجي رغم الصدام الأولي ويكون معه فسحة من الوقت ليقوم بذلك فتستوعبه الحياة الجديدة[69] التي لا تهدف إلى القضاء عليه وإفنائه وسلب ممتلكاته بل إلى تحويله إلى حياة منتجة، أما في الولايات المتحدة فقد أدت المواجهة إلى تدمير العشائر الهندية وإفنائها أعداد كبيرة منها وسلب ممتلكاتها والتضييق عليها وحصرها في أراض قاحلة لا تصلح للزراعة وإهمال إرشادها وعدم تزويدها بمتطلبات حياة الاستقرار مما يفشل التجربة برمتها حتى لأخلص الراغبين فيها وذلك لأن الهدف من المواجهة كان منذ البداية هو الحصول على أرض الهنود كما صرح بذلك جورج واشنطن أول رئيس أمريكي، وليس جلب الحضارة لهم.
كما قامت الدولة العثمانية بالقضاء على ظاهرة الرق المستخدم في الزراعة والذي كان منتشراً بين المهاجرين القوقازيين ويعود بجذوره إلى عادات اجتماعية وليس إلى الشريعة الإسلامية، ورغم مقاومة ملاك العبيد إجراءات الدولة مقاومة وصلت درجة العنف فإن هذه الإجراءات تمكنت من القضاء بشكل تدريجي على الرق وفقاً لقرار المكاتبة الذي صدر سنة 1867لمساعدة العبيد على نيل حريتهم بتقديم تعويضات لملاكهم من أراضي الدولة التي يمكنهم الاستمرار في العمل فيها كالفلاحين الأحرار وبذلك يرضى الملاك والعبيد أيضاً وتعمر الأرض، وقد حرصت الدولة العثمانية على وضع حد للتدخل البريطاني في هذا الشأن وإبقاء هذه الإجراءات بعيداً عن متابعة الدبلوماسيين البريطانيين[70] المتطفلين الذين كانوا يتخذون من الرق ذريعة لبسط هيمنتهم الامبراطورية على الآخرين والتدخل في شئونهم بل واستعمار بلادهم لنشر الحرية(!)[71]
ثالثا:السلطان عبد الحميد والعرب
للحديث عن مكانة العرب في الدولة العثمانية يجب أن نتذكر أن عصرها تميز بغلبة الهوية الدينية على الهوية القومية ، فلم يكن هناك فاصل بين المسلم العربي والمسلم التركي، ومع ذلك فإن من يتحدثون العربية في الدولة كانوا يوصفون بأنهم”قوم نجيب” لصلتهم بلغة القرآن، وكانوا يحظون بنظرة إكرام لم تحصل عليها بقية الولايات العثمانية، وفي هذا يقول المؤرخ زين نور الدين زين:”ليس صواباً القول إن العرب المسلمين ظلوا طوال أربعمائة سنة أمة مستضعفة تحت نير الأتراك، أو إن البلدان العربية نهبت خيراتها وخيم عليها الفقر من جراء الاحتلال التركي، كذلك ليس صواباً القول إن العرب المسلمين لم يكن يسمح لهم أن يتقلدوا سلاحاً أو ينضووا تحت العلم العثماني للخدمة العسكرية…وقد شغل عدد كبير من العرب وظائف عالية حساسة في الامبراطورية العثمانية”وفي هذا المجال يشهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري السعيد الذي عاصر العهد العثماني قائلاً:”كان العرب كمسلمين يعتبرون شركاء للأتراك، كانوا يشتركون معهم في الحقوق والواجبات بدون تمييز عنصري، وكانت الوظائف العليا في الدولة ، سواء العسكرية أم المدنية، مفتوحة للعرب، وقد كان للعرب ممثلون في مجلسي البرلمان العثماني، أصبح كثير منهم رؤساء وزارة، ومنهم من كان شيخ الإسلام، ومن أصبح قائداً عسكرياً أو والياً، فكنت ترى الموظفين العرب في جميع دوائر الدولة”[72]، وفي رد على من يصور العلاقة العربية التركية بالتوتر في ظل الدولة العثمانية، بل يتخيل البعض نضالاً عربياً مستمراً، لم ينقطع، مدة قرون ضد “الاستعمار العثماني”، يقول زين في نقض ذلك:”وقد وجد العرب أنفسهم جزءاً من أعظم وأقوى امبراطورية إسلامية عرفت منذ ظهور الإسلام…(و)إن كون الامبراطورية العثمانية امبراطورية “تركية” لم يكن في نظر العرب المسلمين حتى مطلع القرن العشرين…أمراً ذا بال، مادامت هذه الامبراطورية التي يعيشون في كنفها امبراطورية إسلامية”[73]، “إن العربي المسلم عندما كان يتكلم عن الامبراطورية العثمانية كان يستطيع أن يقول إنها امبراطوريته، لأنها كانت امبراطورية إسلامية، والواقع أن المسلم لم يكن يشعر أنه غريب في وطن غريب عنه”[74]، وأما فكرة الاستقلال التي صورها البعض هدفاً لنضال القرون الطويلة فلم يشترك فيها غالبية العرب المسلمين إلى زمن السلطان عبد الحميد وكان الانفصال فكرة حديثة لأقلية من المثقفين”لم تكن تمثل إطلاقاً رأي الغالبية الساحقة من العرب المسلمين الذين كانوا ينظرون إلى الامبراطورية العثمانية على أنها امبراطورية إسلامية”[75]، وحتى بعد اندلاع الحرب الكبرى (1914) ظلت “غالبية العرب الساحقة على ولائها للخلافة وللسلطان العثماني”[76] ، ونجد في آثار الأستاذ أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي مثّل دولاً عربية في الهيئات والمحافل الدولية تحسراً كبيراً على العهد العثماني ومن ذلك قوله: “كان العرب هم العنصر النجيب كما كان يسميهم الأتراك، وفي مدينتي عكا كان الأطفال الأتراك ..يعرفون أنفسهم بأنهم عثمانيون، ولم أسمع أحدا يقول إنه تركي”[77]، وكانت القاهرة هي المدينة الثانية في الدولة، فكانت تلي العاصمة استانبول مباشرة في الأهمية تليها مدينة حلب العربية أيضا[78]، ، فهل حلمنا يوماً أن تكون القاهرة هي المدينة التي تلي لندن في الأهمية في الامبراطورية الاستعمارية البريطانية مثلاً؟أو أن تكون حلب بعد باريس في امبراطورية فرنسا؟وهل كان نصيبنا من الغرب غير الاستغلال في حين شاركنا العثمانيين في السراء والضراء بحكم أخوة الدين والحتمية الجغرافية، وكما مات العرب في حروب الدولة فقد مات الأتراك دفاعا عن العرب، ومن أمثلة ذلك استشهاد 10 آلاف تركي في معركة خاسرة عندما هجمت فرنسا على الجزائر سنة 1830[79]، وقد رفض السلطان عبد الحميد بيع فلسطين لهرتزل تقديراً لتضحيات جنوده السوريين والفلسطينيين في معارك الدفاع عن دولتهم جميعا، فهل نرى مثل هذا الاهتمام والتقدير لتضحيات الرعية عند زعامات التجزئة؟
وقد احتل العرب مكانة مميزة في عهد السلطان عبد الحميد، فهم أهل الرسالة وأصحاب لغة القرآن، كما أنهم أحد عنصري الدولة الأساسيين، ولهذا أولاهم السلطان اهتمامه ومنحهم ثقته، وتجلى ذلك في عدة مظاهر منها:
1. الإكثار منهم في الوظائف الرسمية: لم يكتف السلطان بتولية بعضهم بل عمد إلى الإكثار منهم وأحاط نفسه بهم، وفي ذلك يقول المؤرخ الأستاذ محمد جميل بيهم إن السلطان عبد الحميد لما استقر رأيه على الاستعانة بالخلافة للحصول على القوة المنشودة للحفاظ على السلطنة في مواجهة المشاكل والتحديات دعا إلى الجامعة الإسلامية “وعمل على أن تكون العصبية العربية سياجا لسلطنته، فقرب إليه الدينيين والمدنيين من عرب المشرق والمغرب وأسند إليهم كبار المناصب في العاصمة كما بذل لهم العطايا في الولايات”[80]، حتى قيل: إنه إذا كان الباب العالي والوزارة في يد الأتراك فإن القصر أصبح بيد العرب، وهو قول يراه مؤلف كتاب يقظة العرب جورج أنطونيوس قولاً محقاً رغم أنه لا يكن المودة للدولة العثمانية ولا للسلطان عبد الحميد، ومن أشهر رجال العرب في ذلك العهد أحمد عزت باشا العابد الكاتب الثاني للسلطان، وأبو الهدى الصيادي الرفاعي، وشفيق بك المؤيد، وشفيق بك الكوراني، وشكري باشا الأيوبي، وولدا الأمير عبد القادر الجزائري، محمد باشا ومحي الدين باشا، بالإضافة إلى آخرين تطول القائمة بذكرهم، كما اتخذ السلطان من علماء العرب وصوفييهم دعاة للجامعة الإسلامية مثل الشيخ محمد ظافر والشيخ أحمد القيصرلي إضافة لأبي الهدى صاحب ثقته سابق الذكر ولم يقتصر اهتمامه على المسلمين من العرب بل تعداه إلى المسيحيين منهم، وقد بلغ بعضهم رتبة الوزارة كسليم باشا ملحمة الماروني اللبناني الذي صار وزيرا للتعدين والغابات والزراعة، كما وصل آخرون إلى رتب عالية في الدولة ويمكن مراجعة أسماء بعضهم في كتاب السلطان عبد الحميد الثاني بين الإنصاف والجحود لمحمد مصطفى الهلالي[81] ، ويشهد لحال المسيحيين العرب قول بطريرك الموارنة إلياس الحويك بعد خلع السلطان سنة 1909 : “لقد عاش لبنان، وعاشت طائفتنا المارونية بألف خير وطمأنينة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ولا نعرف ماذا تخبىء لنا الأيام من بعده”[82] ، ولا يظن أن البطريرك كان ينافق سلطاناً معزولاً.
2. مشاريع الإعمار في البلاد العربية: حصلت بلاد العرب على نصيب كبير من الجهود العمرانية التي قام بها السلطان، ويقول فيليب مانسل في مقدمته لكتاب بيروت والسلطان إن: “عبد الحميد عمد إلى توفير المال وتركيز الاهتمام على الأقاليم العربية بحيث فضلها على العديد من المناطق التركية”[83]، فبالإضافة إلى المدارس التي نشرها في كافة أرجاء السلطنة كما مر، قام بعمليات نهوض عمراني طال مختلف المناطق العربية مثل مدن الحجاز التي تم فيها مشاريع تجديد وإصلاح وترميم وتوسعة للحرمين الشريفين شملت الكعبة والمطاف ومقام إبراهيم والمسعى والمسجد النبوي ومساجد المدينة الأخرى، كما شملت بناء مستشفى وصيدلية في منى وتسوية الطرق المؤدية إلى جبل ثور، وإنشاء مطبعة في مكة لطباعة الكتب بكافة لغات المسلمين، وربط مكة بجدة والطائف ومعان بخطوط البرق، وتزويد مكة وجدة بمياه العيون النظيفة، وقد استمر العمل لمدة ثلاث سنوات ونصف بثلاثة آلاف وخمسمائة عامل في جدة لتزويدها بمياه عين الوزيرية وتخليصها من الشرب من مياه الحفر المتعفنة ولا ننسى في هذا المجال مشروع سكة حديد الحجاز الذي هدف إلى ربط عاصمة الخلافة بالمدن الحجازية وتيسير الحج على المسلمين، واستمر العمل فيه من 1900م إلى 1908م حتى بلغ المدينة المنورة وبلغ إجمالي كلفته أكثر من أربعة ملايين ليرة جمعت بحماس شديد من المسلمين في كافة أنحاء العالم، وكان يراد لهذا الخط الوصول إلى اليمن مرورا بمكة المكرمة، إلا أن معارضة الشريف حسين وعزل السلطان عبد الحميد حالا دون إتمامه[84]؛ وقبل بدء العمل في سكة حديد الحجاز، التي وصلت دمشق بالمدينة المنورة، تم تدشين خط سكة حديد بين القدس ويافا في سنة 1892، ثم بين بيروت ودمشق سنة 1895، وبين دمشق وحلب سنة 1903، ونتج عن ذلك ثم عن مد فروع لخط الحجاز في أنحاء الشام وإنشاء خطوط البرق والبريد ازدهار المدن الشامية، ففي مدن فلسطينية مثل القدس وبيت لحم ويافا ازدهرت السياحة وتحسنت الأوضاع الاقتصادية ببناء الفنادق وانتشار صناعات التحف وأعمال التشييد والبناء التي وسعت مدينة القدس خارج حدود الأسوار وأوجدت فرص عمل للأهالي من المدينة والريف على حد سواء، كما أدى إنشاء خط بين درعا وحيفا متفرع من خط الحجاز في 1905 إلى ازدهار الأخيرة التي أصبح ميناؤها مركزاً لتصدير المحاصيل الزراعية إلى أوروبا، وازدهرت محطات سكة الحجاز على طول الخط مثل درعا وعمّان ومعان وتبوك ، وفي سبيل مد سلطة الدولة ومقاومة المحاولات البريطانية لمد نفوذ الاحتلال من مصر إلى الشام قام السلطان بفصل قضاء النقب عن غزة وجعل مركزه مدينة جديدة أنشأها في بئر السبع سنة 1900 والتي أخذت تتطور منذ ذلك الوقت ثم ازدادت أهميتها بعد وصول خط الحجاز إليها، وأما بيروت “فتحولت إلى واجهة عربية للنظر في الإمبراطورية العثمانية، وقد أطلق
عليها الإمبراطور غليوم الثاني إسم: الجوهرة في تاج السلطان، وفي سنة 1888 ارتقت إلى مرتبة عاصمة للولاية وتحولت من مدينة تنتمي إلى القرون الوسطى إلى عاصمة إقليمية عصرية، ولأول مرة منذ الإمبراطورية الرومانية أصبحت المرفأ الرئيس على شرق البحر الأبيض المتوسط وارتفع عدد سكانها من حوالي 80 ألف نسمة سنة 1876 إلى نحو 150 ألف نسمة عام 1908، ومع إنشاء الكليات الأمريكية والفرنسية إلى جانب العثمانية فيها، أصبحت بيروت – كما أعلن عن ذلك إسماعيل كمال بك سنة 1892- ينبوعا للثروة والتقدم والتعليم العصري”[85] كما قال المؤرخ مانسل آنف الذكر في مقدمة كتاب بيروت والسلطان الذي صدر سنة 2002 بالتعاون مع بلدية بيروت لتوثيق المشاريع العسكرية والدينية والتعليمية والصحية والترفيهية ومشاريع البنية التحتية التي تمت أثناء العهد الحميدي في المدينة ونقلتها تلك النقلة الواسعة. وعند الحديث عن إعمار البلاد العربية يمكننا ذكر ما فعله السلطان بأملاكه الخاصة فيها، إذ يذكر الباحث شارل عيساوي نقلا عن خطط الشام لمحمد كرد علي: أن السلطان كان يملك مليون هكتار فيها نحو120 قرية ومزرعة شرقي حمص وسلمية، ونصف مليون هكتار في أنحاء حلب فيه أكثر من 500 قرية ومزرعة، وسبع قرى في حوران إضافة إلى بيسان وبعض قراها ، المهم أنه “كان يوطد الأمن في هذه المملكة الخاصة الواسعة ويعفي الزراع المستأجرين من الجندية ويحميهم من تعدي أرباب الوجاهة ويسلفهم المال بلا ربا حتى عمرت تلك الأنحاء بعد أن كانت منازل للعربان يعيثون فيها فساداً”[86] ، وعند حديثه عن الأراضي السنية في العراق يذكر عيساوي أنها كانت ملكاً للسلطان عبد الحميد “بوسائل مشكوك فيها أحياناً، وعلى كل، ما كاد يحصل على هذه الأراضي حتى تولى رعايتها جيداً، وذكراه موضع تقدير كبير في العراق كنموذج للمالك الذي كان أباً لقومه”[87] ، ويذكر الدكتور زكريا قورشون إجراءات مماثلة إتخذها السلطان نحو أراض في الإحساء، وذلك بتسجيل مساحات من الأراضي لخزينة المالية مقابل مبالغ معينة ثم نقلها للخزانة الخاصة، ويلمح للانتقادات التي وجهت لهذا الأسلوب، ويعقب قائلاً: “ولكن يبدو أن مراقبة هذه الأراضي كانت عملية غاية في الصعوبة بسبب بعدها، ولذلك اتبع فيها الأسلوب المذكور وأمكن إعمارها لسنوات طويلة”[88]. وهناك مشروع كبير لو تحقق فإنه كان سيعود على الدولة العثمانية وولاياتها العربية بفوائد جمة، وهو بقية مشروع سكة حديد برلين ـ بغداد الذي عرضه الإمبراطور الألماني غليوم الثاني على السلطان عبد الحميد أثناء الزيارة الثانية التي قام بها الإمبراطور للدولة سنة 1898م، وتحمس السلطان للمشروع الذي كان قد أنجز الجزء الأكبر منه وربط قسمه الأوروبي إستانبول بأوروبا ثم امتد في قسمه الآسيوي من إستانبول إلى أنقرة فقونية ولم يتبق إلا مده إلى نهايته في الكويت على ساحل الخليج (خليج البصرة وفقا للتسمية العثمانية)، وقد رأى السلطان في هذا المشروع فرصة للإفادة من التقدم العلمي الألماني ونشر الازدهار على طول الطريق الذي ستمر به سكة الحديد بالإضافة إلى مواجهة النفوذ الأجنبي في شرق الدولة ولكن بريطانيا وفرنسا وروسيا وقفت متحدة في مواجهة هذا المشروع وأثارت المشاكل ضده ووضعت العراقيل السياسية والمالية في طريق تحقيقه خشية على مصالحها الاستعمارية، وكانت بريطانيا هي زعيمة المعارضة، وتمكن هذا الحلف من تعطيل المشروع أولاً ثم وقفه نهائياً بقيام الحرب سنة 1914م.
وهناك فرق كبير بين مشاريع التنمية العثمانية (مثل سكة حديد الحجاز) ومشاريع التغريب الاستعمارية (مثل قناة السويس) : الدولة العثمانية قدمت أبناءها الأتراك لإنشاء مشروع حيوي في أرض العرب لإفادة كل المسلمين حتى قال محمد كرد علي المعارض لسياسات السلطان عبد الحميد صاحب المشروع:”إن هذا الخط مدين بإنشائه للجنود العثمانية التي بذلت في سبيله الجهود العظيمة بل النفوس الكريمة”[89]، الغرب استعمل مليوناً من أبناء العرب لإنشاء مشروع لأجل مواصلاته الإمبراطورية خلال بلادهم وليس في أراضيه، فمات منهم 125 ألفاً في سبيل المصالح الاستعمارية التي أضرت بالعرب أنفسهم، دمر بعض العرب بمساعدة الغرب المشروع العثماني (1916) المفيد لنا وقاتلوا الدولة العثمانية وانفصلوا عنها ولم يتم إحياء السكة إلى اليوم، استولت بريطانيا على القناة بعد إفلاس الخديو المبهور بأوروبا واحتلت واستنزفت مصر سبعين عاماً ثم شنت عليها حرباً ضروساً للاحتفاظ بالقناة (1956) والتي مازالت تعمل في خدمة المواصلات النفطية للدول الكبرى وتمر سفنهم بها كلما أرادوا العدوان على بلد من بلادنا ولا نستطيع الاعتراض، أي أننا هدمنا هدية قدمت لفائدتنا وحرسنا سلاحاً استخدم لطعن ظهورنا بدلاً من إفادتنا، ولا ننسى أيضاً أن الغرب أقام الكيان الصهيوني في البداية لأسباب تهمه جداً كان منها حراسة قناة السويس[90]، وكان كل ما سببه الصهاينة من دمار في بلادنا نتيجة لهذه “التنمية” الاستعمارية.
3. مقاومة المشاريع الإستعمارية في البلاد العربية: تميزت فترة حكم السلطان عبد الحميد بشراسة الهجمة الإستعمارية الأوروبية على العالم غير الغربي كله، وقد نال الولايات العربية في الدولة العثمانية نصيب كبير من هذا الهجوم، فقد احتلت فرنسا تونس سنة 1881م، وجيبوتي سنة 1888م، واحتلت بريطانيا مصر والسودان سنة 1882م، وفرضت الحماية على الكويت سنة 1899م، وحاولت السيطرة على جنوب البحر الأحمر بإثارة المتاعب للعثمانيين في اليمن سنة 1905م، ولما فشلت حاولت السيطرة على شماله بمد نفوذها من مصر إلى العقبة وطابا سنة 1906م، وشرعت إيطاليا بمساندة بريطانية في احتلال اريتريا وجنوب الصومال في 1884م – 1885م وأتمت السيطرة على الأولى في سنة 1896م وعلى الثانية في 1910م وإذا كان السلطان قد أجبر على الاعتراف باقتطاع أجزاء من دولته في أوروبا في معاهدة برلين سنة 1878م بعد هزيمة الدولة أمام روسيا، فإنه تمسك بولاياته العربية ولم يستسلم أمام أية محاولة لاحتلالها، وحاول بكل وسيلة يملكها- سياسية غالباً وعسكرية أحياناً- الدفاع عنها، فنجح حيناً وفشل أحياناً أخرى ولكنه لم يقدم صك اعتراف بالتنازل عن أي منها واحتاج الأمر إسقاط الدولة ومجيء الحكم الكمالي ليتم تسليم البلاد العربية بشكل رسمي ونهائي للاستعمار الأوروبي في معاهدة لوزان سنة 1923م.
ففي المسألة التونسية حاول السلطان في بداية الاحتلال إثارة الخلافات بين دول أوروبا ليحقق جلاء الفرنسيين، ورغم فشله في الحصول على نتيجة مهمة، ورغم محاولات فرنسا المتواصلة للحصول على أي اعتراف منه أو تصريح رسمي مباشر أو غير مباشر بقبوله احتلالها، فإنه لم يُقدم على تقديم هذا التنازل مطلقا وظلت النشرة العثمانية الرسمية السنوية “السالنامة” تعد تونس ولاية تابعة للدولة وواقعة تحت الاحتلال.
وفي مسألة مصر والسودان لم تقر الدولة بالاحتلال ولم تتورط في تأييد المشاريع البريطانية التي حاولت جر السلطان لإرسال جيش عثماني لإخماد الثورة العرابية، ورغم اضطراب سياسته في بداية الأمر؛ إذ منح أحمد عرابي الباشوية وأيده ثم أعلن عصيانه في خطوة اختلف الباحثون في تقويمها، فإن هذا التردد كان نابعاً من محاولة درء الاحتلال بأية صورة وفي نفس الوقت رفض إرسال جيشه بالاشتراك مع الجيش البريطاني لإخماد الثورة، وذلك على عكس دولة التجزئة التي كثيراً ما رافقت المستعمرين بل حرضتهم ضد إخوتها وجيرانها وقاتلت إلى جانب المحتلين أحياناً وبالنيابة عنهم أحياناً أخرى وموّلت حروبهم على الأمة وسهلت عبور جيوشهم، ولما وقع الاحتلال لم يستسلم السلطان له، ولهذا ظلت بريطانيا تدّعي من سنة 1882م إلى سنة 1914م أن احتلالها لمصر مؤقت ولم تلغ السيادة العثمانية عليها وأصدرت عشرات الوعود بالجلاء عنها ولكنها لم تف بأي منها، وقد حاول السلطان بكل جهده تعكير صفو الأجواء على الاحتلال و”أنفق أموالا كثيرة لعمل دعاية مضادة في مصر وفي السودان لمنع النشاط الإنكليزي هناك…ولم يترك شيئا يستطيع استخدامه ضد بريطانيا العظمى إلا واستخدمه”[91] ، كما لجأ إلى مساندة القوى المناهضة للاحتلال وعلى رأسها الزعيم مصطفى كامل حيث استدعاه عدة مرات إلى عاصمة الخلافة وأنعم عليه بالألقاب والأوسمة في إشارة إلى دعمه السياسي له، وكان هذا الزعيم الوطني الكبير من القلائل الذين تفهموا السلطان في حياته ، وكان يراه “سيد الحكماء وقدوة الساسة” وأنه “أشد حنانا على مصر من أحب أبنائها وأصدقهم نحوها”[92]وهذه الشهادة من زعيم لا شك في إخلاصه ونزاهته ورجل دخل المعركة مع الاحتلال بكل أهوالها تؤكد لنا أن موقف السلطان الأخير من عرابي لم يكن يعني القبول بسياسة المحتل بل كان محاولة يائسة لدرء الاحتلال، وقد أنشأ السلطان مدينة بئر السبع في صحراء النقب بفلسطين لمواجهة المحاولات البريطانية للتمدد من مصر، ، كما يجمع المؤرخون على أن احتلال مصر قد غيّر مكانة بريطانيا في الدولة العثمانية عامة وعند السلطان عبد الحميد خاصة والذي أصابه هذا الاحتلال بألم حز في نفسه مدى الحياة وبات معادياً لبريطانيا وكارهاً للإنجليز بعنف كما يقول المؤرخ إرنست رامزور ومتوجساً منهم أكثر من توجسه من الروس أعدائه التقليديين[93]وأصبحت سياسته توصف بكونها Anti-Britishأي معادية لبريطانيا التي عزى إليها مشاكله السياسية مع الأقليات[94]، ولم يكن يفوت فرصة للعمل ضد مصالح بريطانيا كما يذكر ذلك المؤرخ جون هاسلب[95].
وأخمدت الدولة العصيان الذي أثاره الإنجليز في اليمن، وقاومت محاولتهم الاستيلاء على العقبة وطابا، فنجحت في الاحتفاظ بالأولى بالقوة، ودخلت معركة سياسية طويلة للاحتفاظ بالثانية ودرء الاحتلال عن سيناء دون نجاح في ذلك، والملاحظ أن غالبية المصريين بزعامة مصطفى كامل باشا وتياره الوطني وقفوا إلى جانب الدولة العثمانية وأيدوا مطالبها في طابا رغم الادعاءات البريطانية بالحفاظ على حقوق مصر وحدودها الشرقية[96]، لأن اولوية شعوبنا آنذاك كانت هي العمل على صد التدخلات الأجنبية، والحفاظ على الولاء لمركز الخلافة الإسلامية التي تعمل لصالح الأمة كلها، ولهذا لم يُخدع أهل مصر بتبجحات الاحتلال البريطاني الوطنية لأنهم عرفوا أنه يدافع عن مصالحه ومواصلاته (قناة السويس) وليس عن حقوقهم التي لم يتردد في انتهاكها عندما حل ببلادهم مستعمراً، وقد اختلف الحال زمن التجزئة عندما أصبح الاستعمار يفسد ما بين الإخوة والأشقاء والجيران باستخدام الحرص على الاستقلال والمصالح الوطنية التي كثيراً ما أدت إلى سفك الدماء ودمار البلاد والرجوع إلى حالة الاحتلال، ونظرة تاريخية سريعة على الحروب التي نشأت بتدخل الأجانب بين الدول العربية تكفي لبرهنة هذا الزعم.
أما في مسألة الكويت؛ فإن الدولة العثمانية لم تعترف بفرض الحماية البريطانية عندما علمت بأمر معاهدة 1899م التي عقدت سراً، وحاول السلطان ثني الشيخ مبارك الصباح عن ارتباطه بالإنجليز، واستعمل في سبيل ذلك مختلف وسائل الترغيب والترهيب، ولكن الشيخ كان مصمماً على الاستقلال عن العثمانيين والارتباط بالإنجليز، وتطورت علاقته ببريطانيا من عقد المعاهدة بالسر إلى طلب الحماية البريطانية الدائمة والسافرة على الكويت سنة 1901م، إلى استقبال حاكم الهند اللورد كيرزون سنة 1903م، إلى قبول وكيل سياسي بريطاني في الكويت سنة 1904م، إلى محاولة تغيير علم الكويت العثماني سنة 1905م، وأعطى بريطانيا مجموعة من الامتيازات لمنع وصول سكة حديد برلين – بغداد إلى الكويت-رغم الفوائد التي كانت الإمارة ستجنيها من بناء ميناء عالمي فيها-توجت باتفاق سري آخر عقد سنة1907م لتأكيد معاهدة 1899م ويعلق الأستاذ عبد العزيز الشناوي على علاقة مبارك بالدولة العثمانية وبريطانيا قائلاً: “ومن الصعب القول بأن الشيخ مبارك كان يدفعه شعور قومي بالاستقلال، لأنه حين جاهر برفضه السيادة العثمانية على الكويت، ارتمى في أحضان بريطانيا وعقد معها الاتفاقية المانعة سنة 1899م”[97] ؛ بل إن الباحثة الكويتية الدكتورة سلوى الغانم تروي في كتابها الصادر باللغة الإنجليزية “عهد مبارك الصباح” ؛ استناداً إلى وثائق بريطانية، أن مبارك ذهب إلى أبعد مما سبق حين حاول قبل وفاته سنة 1915م أن “يهب الكويت لبريطانيا” وذلك بتسليم جميع الموارد الكويتية للإنجليز لإدارتها بأنفسهم وخصم كلفة الإدارة لحسابهم وتسليم الباقي له، الأمر الذي أربك المسئولين البريطانيين أنفسهم ووصفته الباحثة المذكورة بأنه “من أغرب ما قدم لمسئول بريطاني خلال قرون من الانهماك البريطاني في الخليج”[98] ، ولم ينفذ الاقتراح نتيجة الرفض البريطاني الممزوج بالذهول (***)، ورغم فشل مشروع وصول سكة الحديد إلى الكويت، فإن السلطان رفض الإقرار بالوضع الذي أوجدته بريطانيا في الخليج وظل الأمر بين شد وجذب إلى قيام الحرب الكبرى سنة 1914م ولم يقر السلطان كذلك لفرنسا وبريطانيا وإيطاليا اقتسامهم أريتريا والصومال ولم يتم هذا التنازل إلا بعد انهيار الدولة العثمانية وتوقيع مصطفى كمال معاهدة لوزان مع المحتلين سنة 1923م[99].
4. موقفه من فلسطين والحركة الصهيونية: وقد تم بحث هذا الموضوع بالتفصيل في دراسة سابقة هي: آثار التغريب السياسي على المجتمع العثماني (الجزء الثالث)، ولكن لا بأس بتلخيص سريع هنا يتفق وسياق البحث مع بعض الإضافات:
كان اليهود التقليديون يعتقدون أن عودة ملكهم في فلسطين والذي وردت به النبوءات في الكتب المقدسة وبخاصة أسفار دانيال وأشعيا، سيتم بمعجزة إلهية على يد المسيح المنتظر، وأن الله وحده هو الذي يحدد وقت هذه العودة، وأي تدخل بشري في تحقيق ذلك كفر وهرطقة، أما الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية المسيحيتان فكانتا تفسران هذه النبوءات تفسيراً مجازياً، ولما قامت حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر وأخذت بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس ضمن حملتها لجعل الصلة بين الفرد والدين خالية من تدخل رجال الدين، ظهرت إلى الوجود فكرة عودة اليهود الجسمانية إلى فلسطين بصفتها مقدمة لعودة المسيح وتحقيقا للنبوءات، ثم اتخذت طابعاً علمانياً بوجوب التدخل البشري لتسريع المشيئة الإلهية بذلك.
وظلت هذه الفكرة في حيز الأمنيات والأحلام إلى أن تلقفها الساسة الاستعماريون الأوروبيون بشكل جاد في أواخر القرن الثامن عشر لأنهم رأوا في دولة يهودية في فلسطين وسيلة نافعة لخدمة مصالح دولهم، وكان أول من حاول تنفيذها نابليون بونابرت الذي اشتهر بتلاعبه بالورقة الدينية في دعايته السياسية وذلك ليقطع طريق الهند على الإمبراطورية البريطانية عدوته الأولى، ولكنه لم ينجح في مشروعه بعد هزيمة حملته على مصر والشام، ولما نجح محمد علي باشا في إقامة دولة قوية في منطقة تصر أوروبا على إبقائها ضعيفة ومجزأة، بعث هذا الأمر الفكرة الصهيونية في عقول ساسة بريطانيا وشرعوا بالتحضير لإنشاء الكيان اليهودي ليكون “حائلا بين محمد علي وخلفائه وبين تحقيق خطته الشريرة في المستقبل”، وتزامن هذا مع تفاقم المسألة اليهودية في أوروبا نتيجة تعثر التحديث في دول شرقها وفقدان اليهود دورهم الوظيفي التقليدي في تلك المجتمعات وزيادة أعدادهم وتدفقهم على دول الغرب الأوروبي وأمريكا التي رأت فيهم تهديدا لاستقرارها فأرادت التخلص من هذه الجماعة الوظيفية التي أصبحت بلا وظيفة فتكونت بذلك المسألة اليهودية كما شرح ذلك بالتفصيل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في مؤلفاته العديدة.
ومع زيادة اضطهاد اليهود في شرق أوروبا بدأ التفكير بين نخبهم في ضرورة إيجاد بقعة من الأرض يلجئون إليها، وهنا ظهرت الفكرة الصهيونية اليهودية بعد أكثر من ثلاثة قرون من ظهور الصهيونية المسيحية لتكون حلاً علمانياً إذ رفضها معظم اليهود المتدينين لأنها تدخل في الإرادة الإلهية، ونشأت حركات تعمل على “إعادة” اليهود إلى”وطنهم”، واستوطن عدد منهم بالفعل في فلسطين بداية من سنة 1868، ولكن الهجرة اتخذت الطابع الجدي بعد اغتيال القيصر الروسي سنة 1881 وما تبع ذلك من هجوم واضطهاد لليهود، ولما شعرت الدولة العثمانية بذلك الخطر، بدأ السلطان عبد الحميد بوضع العراقيل أمام الهجرة بطريقة تدريجية تتناسب مع تعاظم حجم الخطر، مثل منع اليهود من أوروبا الشرقية دخول فلسطين ثم منع اليهود عامة من دخولها إلا للزيارة والحج ولمدة محدود لا تتجاوز ثلاثة أشهر يسلمون قبلها جوازات سفرهم ويمنحون جوازات حمراء مؤقتة، كما حظر بيع الأراضي والعقارات لهم مهما كانت جنسياتهم، ووضع سنجق القدس تحت الإشراف المباشر للباب العالي ، وغير ذلك من إجراءات كانت تنتهك برشوة الموظفين الفاسدين وتدخل القناصل الأوروبيين، وفي هذه الفترة ظهر مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل الذي اكتشف أن المشروع الصهيوني لن يتحقق ما لم تتبناه دولة كبرى، وعمل على الاتصال بقادة الدول العظمى لإقناعهم بتنفيذ فكرته عارضاً على كل واحد منهم خدمات الدولة اليهودية التي يريد إنشاءها، فحاول الاتصال بالسلطان عبد الحميد الذي تقع فلسطين في دائرة سيادته، وزار استانبول خمس مرات بين 1896-1902قابل أثناءها السلطان مرة واحدة بالإضافة إلى لقاء مسئولين عثمانيين آخرين، وقد عرض عليهم خدمات مغرية جداً مثل تسوية ديون الدولة العثمانية ومساعدتها في القضية الأرمنية التي تسبب لها المشاكل داخلياً وخارجياً بكبح جماح الثوار الأرمن وتحسين صورة العثمانيين في الإعلام الغربي، هذا بالإضافة إلى كبح جماح معارضة “تركيا الفتاة”، كما قدم لهم وعوداً زائفة عن عدم تطلع اليهود في فلسطين للاستقلال عن السلطنة والتزامهم طاعة السلطان ونيتهم جلب المنافع والتقدم للبلاد وعدم نيتهم المساس بالقدس، كما سيقف الكيان اليهودي ضد أية حركة عربية تقوم ضد الدولة العثمانية، كل ذلك مقابل وعد من السلطان يتمكن به هرتزل من جمع المال من أثرياء اليهود لتقديمه للدولة العثمانية، وكان رد السلطان هو رفض إقامة دولة يهودية في فلسطين مع الموافقة على هجرة محدودة ومراقبة وموزعة على أنحاء متفرقة من السلطنة مثل الأناضول والعراق بشرط تخلي المهاجرين عن جنسياتهم وحمل الجنسية العثمانية والالتزام بقوانين الدولة، وذكّر السلطان هرتزل بالمعاملة الحسنة التي تلقاها اليهود في الدولة العثمانية وأن ظروفهم فيها أفضل من سواهم، وأنه لا يمكنه تقديم أكثر من ذلك، وقد أوضح السلطان في مذكراته ضرورة بقاء العنصر العربي هو السائد في فلسطين، ويعد موقف السلطان عبد الحميد من الحركة الصهيونية هو الأبرز والأشهر على صعيد محافظته على بلاد العرب، وذلك بسبب ما أصاب فلسطين من كوارث بعد رحيله، وقد كتب الكثير عن موقفه هذا ورفضه بيعها للصهاينة، وأصبحت محاضر لقاءاته معهم وردوده عليهم معروفة للجميع وفي متناول كل باحث، ولهذا لن نأتي بجديد إذا أعدنا سردها ويمكن الرجوع إلى أهمها في الدراسة المذكورة آنفاً، ولكن يمكننا الإشارة إلى بعض النقاط التي لم يتم التطرق إليها كثيرا:
النقطة الأولى: أن السلطان أدرك منذ البداية حقيقة المشروع الصهيوني وأنه لن يجلب الخير للمنطقة كما كان أصحابه يزعمون كاذبين: إذ”إن هؤلاء اليهود لا يمارسون العمل في الزراعة والفلاحة بل ينوون إلحاق الأضرار بالأهالي”، وأنه لو استجاب لطلبهم الاستيطان في فلسطين فإنه يكون قد وقع “قراراً بالموت على إخواننا في الدين”[100]؛ هذا في وقت لم يدرك كثيرون ـ قبله وحتى بعد خلعه عن العرش واشتداد الهجمة الصهيونية ـ الأبعاد الحقيقية لها، فنرى مثلا محمد علي باشا الذي سمي رائدا للنهضة العربية الحديثة ومع ذلك طلب من الصهيوني موسى مونتفيوري أن يكون وكيل أعماله ، ووعده “وهو يدخن نرجيلته المرصعة بالجواهر، بأية قطعة من الأرض معروضة للبيع في سوريا ووافق على فعل أي شيء يستطيع فعله ليسانده في مشروعه” وهو ضمان 100 أو 200 قرية في فلسطين ودفع إيجار زائد بنسبة 10-20% وتأسيس شركة لزراعة الأرض وتشجيع اليهود على الهجرة إليها ، ولم يحبط هذا المشروع الصهيوني الأولي سوى أن سلطة الباشا ضعفت بعد سنة من اللقاء “وعادت سوريا إلى السلطان” ولم تحن فرصة أخرى آنذاك لعودة اليهود(1840)[101]، وقد شكك الدكتور محمد أنيس في ميول محمد علي بالقول إنه يستحيل أن ينسب له أي تفكير قومي عربي في الوقت الذي كان يفاوض فيه فرنسا لحسابها على الجزائر وغزة[102]، (يذكر المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي أنه في سنة 1829 وافق محمد علي وهو من أهم حلفاء فرنسا في الشرق على الهجوم على الجزائر، إلا أن المساومة لم تتم بسبب ضآلة التعويض)[103] ، ومن الذين لم يدركوا أبعاد المشروع الصهيوني زمن السلطنة بعض أهل فلسطين نفسها فنسمع عن بعض الصحف العربية التي ظهرت في عهد الإتحاد والترقي في فلسطين تناصر الصهاينة وتتغنى بالمدارس والمصارف والكروم والمحاريث التي أتوا بها للبلاد، ولم يكن أصحاب هذه الأقلام يدركون أن كل هذا التقدم سيكون من نصيب الوافدين الجدد ولن يجني أهل البلاد إلا الدمار، وإننا نعجب حين نعلم أن مفكراً بحجم أحمد لطفي السيد ـ الذي نصّب أستاذا لجيله ويفترض فيه الوعي ـ يحضر حفل افتتاح الجامعة العبرية سنة 1925م إلى جانب بلفور واللنبي وهربرت صموئيل وحاييم وايزمان، وكان السلطان عبد الحميد قد علم منذ البداية أن “الغاية من إنشاء هذه الجامعة سياسية واستيطانية أكثر منها ثقافية”[104] كما يقول الدكتور حسان حلاق، ولهذا السبب منع إنشاءها رغم محاولة الصهاينة إغراءه بأنها ستغنيه عن إرسال الشباب إلى أوروبا حيث يتأثرون بالأفكار الغربية التي يمقتها، ويزداد عجبنا حين نعلم أن رشيد رضا كتب مقالاً في صحيفة المنار في سبتمبر1911 مفاده أن سوريا تحتاج العلم والمال اليهوديين وعليها استقبال اليهود استقبالاً حسناً بشرط ألا يؤدي ذلك إلى سيطرة الحركة الصهيونية على فلسطين (!)وأفتى بشرعية تحالف الهاشميين مع “أهل الكتاب” البريطانيين والفرنسيين الذين “سخرتهم” العناية الإلهية لخدمة المسلمين (نفس العقلية السلفية التي استعانت بالولايات المتحدة لتدمير العراق سنة 1990)، هذا التسخير الإلهي الذي فتح أبواب المشرق كله، ومنه فلسطين، للاستعمار الغربي كما كان يحذر العقلاء من أمثال الأمير شكيب أرسلان، ويشبه الدكتور النفزاوي موقف رشيد رضا بموقف قطب الاتحاد والترقي طلعت باشا[105]، وهو ما يعني أن المصلح والمجاهد العربي وقف موقف الخائن العثماني.
ومن هذه السلسلة المرتقبة خيراً من الصهيونية أن أديبا كبيرا مثل نجيب محفوظ ظل يحسب الكيان الصهيوني متحضراً إلى أن صحا لبرهة على جرائمه بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في مطلع القرن الحادي والعشرين، وكأنها الجرائم الأولى في تاريخ هذا الكيان(!)
النقطة الثانية هي: تقدير السلطان لتضحيات شعبه العربي، فحين رفض المشروع الصهيوني كان السبب الذي رد به على عرض هرتزل هو أن كتيبتين من جنود الدولة من السوريين والفلسطينيين حاربتا أثناء الحرب مع روسيا سنة 1877م “وقتل رجالنا الواحد بعد الآخر في بلافنا لأن أحدا منهم لم يرض بالاستسلام”، وهذا نموذج من التقدير الذي لا يناسب شخصية مستبد دموي كما حاول الكثيرون تصويره، إذ رأى أن واجب الرعية نحو دولتهم يتطلب حقاً لهم عليها، ولهذا لم يسلم بلادهم للمحتلين الأجانب.
النقطة الثالثة هي:خطأ ما يدعيه بعض الباحثين عن سلبية المقاومة الفلسطينية للصهاينة في عهد السلطان نتيجة كبت الحريات، فقد أثبت الدكتور حسان حلاق أنه “كان لردود الفعل العربية الأثر الواضح في إصدار مجموعة من القرارات والقوانين العثمانية الخاصة بمنع المهاجرين اليهود من الاستيطان في فلسطين”[106] وهو ما أيده أيضا المؤرخ ستانفورد شو في كتابه تاريخ اليهود في الإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية، ولن نسرد قائمة بهذه الأحداث وإنما سنأتي بمثل واحد وهو أنه عندما تم تعيين رشيد باشا متصرفا للقدس سنة 1904م وظهر منه التأييد للاستيطان اليهودي قدمت ضده الشكاوى للسلطات التي أمرته بمنع تملك المهاجرين الأجانب العقارات، ولما لم يستجب تم نقله في سنة 1906م وإحلال علي أكرم بك محله والذي التزم بتطبيق القيود بشدة.
النقطة الرابعة هي: كشف السلطان لنفاق أوروبا التي كانت تطالب العثمانيين بقبول الاستيطان اليهودي في نفس الوقت الذي سدت فيه أبوابها في وجوه اليهود، “وإذا كانت أوروبا المتمدنة تمتنع عن قبولهم وتجلوهم عن بلدانها، فلم نقبلهم نحن؟”[107].
النقطة الخامسة هي أن السلطان لم يحم فلسطين وحدها من الغزو الصهيوني بل حمى سيناء أيضا رغم وقوعها آنذاك تحت الاحتلال البريطاني، فقد اتجه هرتزل بعد فشل مساعيه مع السلطان ويأسه من الحكومة العثمانية-“لم أحقق أهدافي ولا أريد المزيد من الانتظار”[108]-إلى الحكومة البريطانية سنة 1903 طالباً إليها تحقيق مشروع الاستيطان في شبه جزيرة سيناء، وعلى عكس ما يدعيه بعض المتحاملين على السلطان عبد الحميد بلا دليل، ثبت أن معارضته القوية للمشروع الصهيوني في سيناء-الذي سيكون منطلقا للوثوب على فلسطين-هي التي دفعت اللورد كرومر حاكم مصر الفعلي لرفضه أيضا “لأن بريطانيا ليست مستعدة في الوقت الحاضر لمواجهة السلطان العثماني”، وينقل الدكتور حسان حلاق عن مصدر فرنسي “أن اللورد كرومر والحكومة المصرية تخوفا من غضب الباب العالي وعملا على عدم إثارته في هذا الموضوع”[109].
النقطة السادسة: بينما عارض السلطان المشروع الصهيوني إلى آخر حياته مما كلفه ذلك عرشه فلم يقبل التنازل لجمعية الاتحاد والترقي التي هددته بإبعاده عن السلطة كما تشير إلى ذلك وثائق وحوادث عديدة، رحب حكام عرب ومسلمون بالهجرة الصهيونية مقابل أثمان أقل مما دفع للسلطان بكثير، ففي سبيل إرضاء بريطانيا حث الشريف حسين بن علي على استقبال اليهود في فلسطين بكرم العرب، ووقع ابنه فيصل مع حاييم وايزمان رئيس الحركة الصهيونية اتفاقا بهذا الشأن سنة 1919، كما حث عباس حلمي خديو مصر السابق أهل فلسطين على التصالح مع الصهيونية وترك بلادهم والرحيل إلى شرق الأردن وذلك مقابل توسط اليهود ليحسن علاقته بالحكومة البريطانية ويحصل على تعويض عن أملاكه التي خسرها في مصر وراتب سنوي قدره 30 ألف جنيه، ووصل الأمر بمؤسس ولاية الأمر السلفية المعاصرة وأحد الملوك العرب الكبار أن وقع تنازلاً عن فلسطين “للمساكين اليهود” أو حتى غيرهم ” كما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها حتى تصبح الساعة” كما تنازل الملوك والرؤساء والأمراء المعاصرون بمن فيهم من ثوريين وتقليديين عن فلسطين بشكل جمعي ورسمي وعلني منذ قدموا مبادرتهم القائمة على الشرعية الدولية في قمة فاس سنة 1982 وكانوا منذ قيام الكيان الصهيوني يطالبون سراً وعلناً بتطبيق قرارات الأمم المتحدة وأخذ حصتهم القليلة فقط من فلسطين، ثم يأتي بعد كل ذلك من يقفز عن كل هذه الحقائق ويحمل السلطان عبد الحميد مسئولية التفريط بفلسطين (!)
النقطة السابعة أن السلطان عبد الحميد لم تبهره دعاوى الهيمنة اليهودية العالمية التي حاول هرتزل خداعه بها وكانت الصهيونية حريصة على استثمارها ونجحت في ذلك في ساحات دولية عديدة أخرى في الوقت الذي سعت فيه دول عظمى لاستثمار هذه الهيمنة لصالحها -وبخاصة في الحرب الكبرى الأولى -فأصدرت الوعود لصالح المشروع الصهيوني كوعد بلفور البريطاني وتصريح كامبون الفرنسي وتصريحات مشابهة صدرت عن قادة جمعية الاتحاد والترقي والألمان لما وجدوا الكفة تميل لغير صالحهم في هذه الحرب.
النقطة الثامنة هي أن السلطان عبد الحميد لم ينزلق خلف محاولات الوقيعة بين الدولة والعرب وبدلا من التحسب منهم واللجوء إلى الصهاينة الغرباء لمساعدته ضد ثورة عربية محتملة ، قام السلطان بتقريب العرب ومنحهم المزايا التي سبق الحديث عنها مما أفقد الأفكار الانفصالية رواجها ولم تعد إلى الحياة إلا بعد خلعه عن العرش ومجيء الاتحاديين بسياستهم القومية الطورانية.
النقطة التاسعة: لم يكن من المحتمل نجاح المشروع الصهيوني مع بقاء السيطرة العثمانية على المنطقة، وهي سيطرة معادية تكبل طموحات الهجرة اليهودية وتكوّن بيئة معادية للمهاجرين ، ولا ترغب في التنازل عن السيادة على فلسطين طوعا، فلا عجب أن غادرها عشرات الآلاف منهم بعد وصولهم ثم غادرها عشرات آلاف آخرون بجرة قلم زمن الحرب الكبرى بعد انضمام الصهيونية للحلفاء وتحولهم إلى معسكر أعداء الدولة، ولهذا كان لا بد من انقلاب جذري في الأحوال السياسية ليأخذ المشروع فرصته في النمو وهو ما حدث بالفعل بعد مجيء الانتداب البريطاني الذي ألغى الإجراءات العثمانية ومن ثم اتضح الفرق بين الحكمين لأهل فلسطين الذين أسفوا على العثماني الذي فاتهم ولم يفرحوا بالبريطاني الذي أتاهم.
النقطة العاشرة: رفضت الدولة العثمانية المشاريع الصهيونية المتتالية رغم أنها كانت تُقدم في كل مرة من زاوية المصلحة العثمانية وأنها مما “سيكون مفيداً جداً للسلطان”، سواء لردع محمد علي باشا (مشروع بالمرستون 1840) أو لردع التمدد الروسي (مشروع أوليفانت 1880) وما يصاحب ذلك من إمكانات وخبرات يجلبها اليهود معهم وتؤدي إلى تقدم الدولة وتطورها، حتى أن هرتزل اعترف أثناء تقديم مشروعه للسلطان (1901) والذي يتضمن تسوية ديون الدولة التي تشكل العقبة الرئيسة أمام استعادة العثمانيين عافيتهم، بأن”القوى الكبرى التي تريد إبقاء الدولة العثمانية ضعيفة، ستحاول بكل نفوذها منع شفائها وستعمل كل ما يمكن لإحباط هذه العملية”[110]، ومع أن السلطان أقر بذلك فإنه لم يوافق على نتيجة هرتزل وهي دعم المشروع الصهيوني، مما يؤكد استقلالية الدولة في تشخيص مصالحها حتى في زمن الضعف سواء كان السلطان ذا ميول تغريبية أو إسلامية، وهو ما يختلف عن حال دول الاستقلال والتجزئة التي ليس لها مصالح مستقلة عن المراكز الغربية.
النقطة الحادية عشرة: لا تؤدي يقظة الدولة وحدها إلى النتيجة المرجوة ما لم تكن مصحوبة بيقظة الشعب وتعاونه، وقد تمكنت الحركة الصهيونية من تثبيت وجودها في فلسطين بالتعاون مع بعض الإقطاعيين والإداريين الفاسدين والأهالي الذين ساعدوها على التملك المحظور، وكانت الدولة تقوم رداً على ذلك -وبخاصة في زمن المتصرف علي أكرم بك في آخر سني السلطان عبد الحميد حين اتضح الخطر الصهيوني- بإصدار الأوامر إلى جميع الملحقات بما “يوجب القصاص الشديد على المختارين وغيرهم من الأهلين الذين يرون أبنية تشيد بغير رخصة رسمية” كما كتب بذلك مراسل صحيفة ثمرات الفنون البيروتية[111].
النقطة الثانية عشرة: بعد دراسة مستفيضة لسياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين، يقوم الدكتور حسن صبري الخولي ما حققته الصهيونية في العهدين العثماني والبريطاني كما يلي:”ولا ريب في أن الانتداب البريطاني كان الأداة التي هيأت الجو الصالح لتنفيذ هذه الأهداف تنفيذاً سريعاً.ولقد ظلت الصهيونية تسعى منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، لتنفيذ مخططاتها لتهويد فلسطين، غير أن ما حققته في هذا السبيل كان ضئيلاً لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق أحلام الصهيونية لو سار الأمر على مثل هذه الوتيرة، لأن الحكم العثماني لفلسطين قبل الحرب العالمية الأولى كان عقبة حالت دون تحقيق الصهيونية برنامجها”[112]، وفي هذا رد على من اقتصر على رؤية ذلك “الضئيل” الذي حققته الصهيونية في ظل العثمانيين فضخمه وجعل منه الحقيقة الدامغة[113]ودليل الإدانة الذي كان سطحياً مع الأسف لأنه يفتقر للدراسة الشاملة التي يجب أن تدرس ظروف الحدث ومآلاته ودور بقية الجناة بطريقة أعمق من محاولة ضبط أخفهم خطأ في حالة تلبس بل وتزوير الأدلة ضده بالادعاء أنه وافق على الهجرة اليهودية إلى عموم الشام (وهو ما لم يحدث بل وافق على الهجرة إلى عموم الدولة العثمانية، والأناضول على وجه الخصوص، مع استثناء فلسطين كلياً من ذلك[114]كما أجمعت المراجع) وكل هذا التحامل للحكم عليه بالإعدام بسبب مجرد “جنحة”مع أخذ العذر بل مكافأة مرتكبي الجرائم الحقيقية الكبرى.
النقطة الثالثة عشرة: وجوب وضع الأخطار آنذاك في حجمها كما بدت في حينها وليس كما تطورت فيما بعد في مسار لم يكن حتمياً لو استمر الحكم العثماني مثلاً، وبغير هذه النظرة التاريخية سنحكم بالخيانة مثلاً على شخصية وطنية مجمع على نزاهتها وإخلاصها كالزعيم المصري مصطفى كامل باشا الذي اجتمع مع هرتزل أكثر من مرة وأثنى على إخلاص اليهود للدولة العثمانية وعدم استخدامهم من جانب الدول الكبرى[115]، ولكنه لم يطالب بهجرتهم كما فعل غيره من الشخصيات العربية، وكل ما كان يبتغيه هو المقارنة بين وضع اليهود ووضع الأرمن الذين تستخدمهم الدول الكبرى لطعن العثمانيين، وكانت مشكلة التدخلات الأجنبية والمؤامرات مع الأقليات هي الحدث الغالب على الساحة العثمانية يومذاك ولهذا بدت المشكلة الأرمنية أكبر من المشكلة اليهودية، وبغير هذا الإطار التاريخي يمكن لأي متنطع أن يرمي الزعيم بالخيانة كما رُمي السلطان بالتواطؤ.
رابعا:السلطان عبد الحميد والمسلمون خارج نطاق الدولة العثمانية
رغم أنه لم يكن للدولة العثمانية سيادة سياسية على ملايين المسلمين الذين يعيشون خارج حدودها وكثير منهم تحت هيمنة الاحتلال العسكري الغربي، فقد حاول السلطان عبد الحميد أن يربطهم جميعا بمركز الخلافة الإسلامية لتحقيق وحدة فكرية وروحية إن لم تكن سياسية، وفي سبيل ذلك أرسل السفراء والمبعوثين والعلماء إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي من جاوة شرقاً إلى المغرب غرباً ومن روسيا شمالاً إلى الحبشة وجنوب إفريقيا جنوباً، مستفيدا بذلك من الطرق الصوفية التي كانت واسعة الانتشار آنذاك، وكان الهدف الرئيس من هذا الجهد هو جعل المسلمين يواجهون الهجمة الاستعمارية الشرسة جبهة واحدة، “فالمسلمون في ألبانيا يهدد بهم النمسا والمسلمون التتر والأكراد يهدد بهم روسيا والمسلمون في الهند يهدد بهم إنجلترا والمسلمون في المغرب يهدد بهم فرنسا” كما يقول الدكتور محمد أنيس[116]، وقد سارت العلاقات بين الدولة العثمانية والمسلمين خارجها في اتجاهين، إذ كان السلطان يرسل إليهم المساعدات المادية لبناء المدارس بشكل خاص (الجامعة الحميدية في بكين مثلاً)ويستقبل طلابهم في المدارس العثمانية كما يرسل إليهم الكتب والإرشادات الدينية ويشارك في رعايتهم سياسياً في مواجهة الأحداث المستجدة وبخاصة عند اقتراب الأخطار، وكانوا هم يستجيبون لإرشاداته ويدعمون الدولة سياسياً كما فعلت الوفود العديدة بعد انتصار الدولة على اليونان ، ومادياً إن لزم الأمر كما حدث في إنشاء سكة حديد الحجاز، وقد علق أحد أمناء السفارة البريطانية في استانبول على وفود التهنئة التي أمت العاصمة العثمانية في عيد الأضحى الذي تلا النصر على اليونان لتهنئة السلطان بالمناسبتين، بقوله:”لقد أحدث عيد الأضحى هذا تأثيراً بالغاً في نفسي، لقد أثبت هذا العيد أن السلطان له مكانة عظيمة ومقام رفيع بين المسلمين جميعاً، كما أن محاولات الإساءة إليه فاشلة”[117]، وبهذا تمكن من الإمساك بسلاح قدرة الخلافة على تحريك جماهير المسلمين ولوحه في وجوه الأعداء الغربيين وكان يرى فيه سلاحاً سياسياً قوته في التهديد به دون استخدامه فعلاً وهو ما أثبتت الأحداث دقته عندما فشل إعلان الجهاد الذي أصدره السلطان محمد رشاد زمن حكم الاتحاد والترقي أثناء الحرب الكبرى الأولى بعد عقود من نجاح تهديدات السلطان عبد الحميد الغربيين به وانتزاع المكاسب منهم بوسيلة التخويف.
الكاتب : محمد شعبان صوان
المصدر :
أرشيف الدولة العثمانية