الخميس، 21 أبريل 2016

اوباما في احضان هافانا

بقلم : حسام أبو النصر

اوباما في أحضان هافانا

يعد قطيعة دامت 88 عام كسر الرئيس الامريكي بارك اوباما حاجز الحرب الباردة ،
ليقوم بزيارة اعتبرها بحجم زيارة السادات لإسرائيل ، وقد اكون جازما بان هناك لغة

جمعت اخيرا بين الولايات المتحدة وكوبا ، فمن الجانب الامريكي ، اوباما فعليا لم
حسب عادة رؤساء امريكا الذين تركوا بصمات سلبية او ايجابية ، بالمقابل الثوار لا
يحقق أي انتصارات تحسب في زمنه ولم يترك احداث مهمة قد تذكر له في التاريخ
والمصالح بدأت تغير كثيرا من المنطلقات ، حتى على مستوى الملف الايراني الذي
يحبون السياسة وقد لا يجيدوها ، لكن كوبا وصلت لقناعة ان العالم يتغير من حولها ،
تحقق فيه بعض الاختراق بعد سنوات طويلة من التحضير لمواجهة الأمريكيين ،
السياسات الامريكية اتجاه كوبا منها رفع الحصار الاقتصادي كليا ، والانسحاب من
واثبت النظرية أن لا عداء ولا سلم مطلق ، وقد يكون ما بعد هذه الزيارة كثيرا من
بعض القواعد الموجودة على اراضيها ، ضمن مباحثات سرية اعتقد خاضها الطرفين

وتحالف شيوعي دولي ضده ، كان له كبير التقارب مع روسيا المنافس الاول للولايات
مهدت لزيارة علنية لم تكن بالمطلق اعتباطية ، بل جاءت بعد سنوات من القطيعة
حاولت فيها الادارة الامريكية مرارا الاطاحة بالنظام الكوبي ، فيما نصبت كوبا
صواريخها السوفياتية ، ولم يكن للنظام الامريكي ان يقبل بنظام ثوري على حدوده ،
المتحدة الامريكية ، الاهم من ذلك هو موقف الكاسترويين المنتمين لثورة فيدل

الذي ضرب عصب الحياة الكوبية والذي لم يبقي قدحا من الشاي حتى ليقدموه لاوباما
كاسترو ومنطلقاته ومبادئه الذي حارب النظام الامريكي واستبداده على مدار سنوات

طويلة ، وما انزلته قواته من هزيمة ساحقة للأمريكيين في خليج الخنازير وبنظام
، وكثيرا من المتأثرين بالثورة الكوبية يترقبون هذه الحالة من التقارب الكوبي
باتيستا الامريكي ، ولم ينسى الشعب الكوبي سياسة التجويع والحصار الاقتصادي
ولم تعد في اولوياتهم لكن المفارقة ان الثورة بدأت على يد كاسترو والتصالح على يد
الامريكي ، وحالة الفوبيا التي تنتابهم من تحول اهم معسكر مناوئ للنظام الامريكي

والمغذي للمنطلقات الثورية في العالم الى صديق لهذا النظام ، اما نحن لا يمكن ان

نلوم كوبا على هذا التقارب ، إذا كان العرب انفسهم تخلو عن قضية فلسطين المركزية كاسترو .

الجمعة، 11 مارس 2016

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الرابع، والأخير

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الرابع


الحضور الدولي والمكانة بين الأمم

1-عندما تمكن “الرجل المريض” من ردع أصحاب الأدب المسيء:
في السنوات الأخيرة من عمر دولة الخلافة العثمانية كان الضعف قد سرى في جميع أوصالها فتراجعت وهُزمت أمام أوروبا التي أطلقت عليها لقب “الرجل المريض” الذي تنتظر وفاته في أية لحظة لتقسيم أملاكه بين هذه الذئاب المحيطة به، ولكن هذا الضعف الذي نصفه هنا إنما هو مقارنة بزمن قوتها وانتصاراتها لا بزمن كيانات الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية التي قامت على أنقاضها وولدت ميتة لا حياة فيها وغير قادرة على القيام بأبسط مظاهر الحياة منذ يومها الأول فلا تستطيع أن تطعم نفسها أو تدافع عن أملاكها إلا بحبل ممدود من الأجنبي الذي أوجدها وأعطاها شهادات ميلادها، على عكس حالة الرجل المريض الذي كان على الأقل رجلاً عملاقاً واحداً وليس مجموعة صغار مشرذمين، وحيّاً ما زالت الروح فيه رغم مرضه وضعفه، ولهذا تمكن من تحقيق انتصارات مشهودة على أعدائه الغربيين حتى في لحظاته الأخيرة في الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918)، ورغم أن الضعف العثماني كان نكبة في زمانه فإن نظرة على شكوى أبناء ذلك الزمن تجعلنا نعيد تقويم حالة المرض تلك في ضوء حالة الموت السريري التي أُصبنا بها بعدها.
ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ما كتبه الصحفي والكاتب السياسي المصري إبراهيم المويلحي (1844- 1906) في مجموعة مقالاته “ما هنالك” التي تتناول السلطان العثماني والحكومة العثمانية والسياسة الخارجية والداخلية بكثير من النقد والسخرية، وكانت كتابتها في الفترة ما بين 1895- 1896 في صحيفة المقطم الموالية لسلطة الاحتلال البريطاني في مصر[159]، ومن مصادر أسى كاتبها أن”دولتنا في ميزان الدول العظام أخفهن على الإطلاق كفة وأقلهن رجحاناً ولا يناقش في ذلك إلا من هو بمعزل عن العالم”[160]، فماذا سيقول أديبنا لو أنه رأى”دولتنا” وقد تحولت إلى “دويلاتنا” التي هي بين جميع الدول حتى الصغيرة والضعيفة منها – وليس بين الدول العظمى وحدها- أخفهن على الإطلاق كفة وأقلهن رجحاناً ولا يناقش في ذلك إلا من هو بمعزل عن العالم؟؟
ومما يدل على ذلك مقارنة بسيطة بين الأحداث الحالية المتصلة بالأعمال الفنية الغربية المسيئة للإسلام ونظائرها التي حدثت في القرن التاسع عشر ولكن مصائرها آنذاك اختلفت عن اليوم نتيجة رد الفعل العثماني عليها رغم ضعف الدولة وتراجعها في زمن تضمن إنجازات كبرى فوصفه الباحث المعاصر موفق بني المرجة بصحوة الرجل المريض في كتابه الشهير الذي حمل هذا الاسم.
ومن ذلك ما يحكيه المؤرخ عمر فاروق يلماز عن مسرحية “محمد” للكاتب الفرنسي ماركي دي بوريز عضو الأكاديمية الفرنسية الذي استعد لعرضها في سنة 1890 وفيها مشاهد تسيء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الإسلام بصورة ساخرة، فتدخل السلطان عبد الحميد فحُظر عرض المسرحية في جميع أنحاء فرنسا التي لم تدافع عن العمل بحجة حرية الرأي وذكر السفير الفرنسي في استانبول للسلطان ما يلي: “أُخبر حضرة السلطان بما ورد في التلغراف الذي تلقيته الآن بشأن المسرحية المسماة “محمد”لماركي دي بوريز التي بدأ عرضها في باريس، بأن الحكومة (الفرنسية) قد اتخذت في اجتماعها هذا الصباح قراراً بمنع عرضها. وفيما أرجو إبلاغ حضرة السلطان بنتيجة ما حدث، أقدم قناعتي بأنه لا توجد وسيلة أكثر ملاءمة لإبلاغ حضرتكم هذا الخبر وأنا واثق أنه بهذا القرار الذي اتخذته الحكومة لتلبية رغبات حضرة السلطان، سيتعزز الطلب بدوام أسمى العلاقات القلبية مع الدولة العلية، ومن أن السلطان سيقدر ذلك..”، ولنقارن هذه اللغة بلغة الغرب الآمرة الناهية لحكام الاستقلال والتجزئة في أيامنا المعاصرة.
المهم أن االمؤلف دي بوريز انتقل إلى بريطانيا وحاول عرض مسرحيته في لندن “فتدخل السلطان عبد الحميد خان هناك وجعلهم لا يسمحون بعرضها”، وجرت محاولة بعد ذلك بثلاث سنوات لعرضها في لندن أيضا، ولكنها فشلت كسابقاتها[161].
ويتكلم المؤرخ يلماز نفسه عن مسرحية أخرى إسمها “جنة محمد” أريد عرضها في باريس سنة 1900، فأدى تدخل السلطان إلى تغيير اسمها وحذف مشاهدها المسيئة للإسلام، ويتحدث عن أعمال ومطبوعات معادية أخرى فشل نشرها بسبب التدخل العثماني الفعال – رغم أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يحمل الجنسية العثمانية بمقاييس سدنة الدولة القُطرية!- وعن الصدى الحسن الذي قابل به المسلمون حتى من خارج الدولة العثمانية أعمال الدولة التي يعدونها ممثلة لهم جميعا، كما لم يتبجح الغربيون وقتها بحرية الرأي والتعبير وغيرها من حججهم التي يقذفون اليوم بها في وجوه دول التجزئة بكل استعلاء واحتقار وكأنهم أساتذة أمام تلاميذ مشاغبين لا يُقبل منهم غير الإذعان.
2-وعندما أصبحت الفنون الهابطة مصالح غربية عليا وجب علينا تبجيلها:
-مسيرة عدوان وهبوط المصالح الغربية:من المواقع الاستراتيجية والمواد الأولية والأسواق التجارية إلى الآيات الشيطانية
لا يخفى على المتأمل في تاريخ الشرق العربي الإسلامي مقدار الأذى الذي ألحقته المصالح الغربية به وبأهله من جراء لهاثها خلف المواقع الجغرافية الاستراتيجية والأسواق لبضائعها المصنعة، والمواد الأولية كالمنتجات الزراعية(الحمضيات والقطن مثلاً)في البداية ثم النفط والغاز فيما بعد، ولن ننسى أنه في سبيل الحفاظ على هذه المصالح قام الغرب برعاية إنشاء الكيان الصهيوني ليكون كلب حراسة عليها.
هذا كله من المحفوظ في تاريخنا الحديث، ومعروف أيضا الضعف الذي واجهت به دول الاستقلال والتجزئة الهجوم الغربي لانتزاع هذه المصالح من أصحاب البلاد الشرعيين، فسلمت مواردها وأراضيها لقمة سائغة للمعتدين ولم تستطع الحفاظ على حماها بسبب الضعف البنيوي الذي ولدت به في إمكاناتها وقدراتها حتى هان على أعدائها أن يستخفوا بأكثر من مليار ونصف المليار مسلم لأجل حماية كيان يهودي صغير لا تتعدى ملايينه عدد أصابع اليد الواحدة ومع ذلك يقيم الغرب لهم من الوزن أكثر مما يأبه بالمليار مسلم، وقد وصل الأمر من الإسفاف إلى درجة التلذذ غير الضروري بإهانتهم واحتقارهم كما حدث عندما استقبل الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مؤلف الآيات الشيطانية سلمان رشدي الذي استفز مشاعر مئات الملايين من المسلمين ولم يكن بالطبع مستواه الأدبي الفذ الذي لا يبارى هو الدافع إلى هذا التكريم المبالغ فيه، بل هو الاستفزاز المتعمد الذي اتخذ من الحرص المنافق على حرية التعبير برقعاً يتخفى به في الوقت الذي حورب فيه مفكر بارز كروجيه غارودي رغم هذه الادعاءات ولم يحمه هذا الستار الرقيق من الحرية المدعاة.
-بسبب فرقتنا، أصبح علينا احترام المصالح الغربية حتى لو كانت رسوماً كاريكاتيرية
اختلف الوضع اليوم عن زمن السلطان عبد الحميد مع الفنون المسيئة، ووصلت المهزلة قعرا سحيقاً عندما استقبلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بنفسها رسام كاريكاتير مغموراً باسم حرية التعبير التي أساء بها لمشاعر المسلمين، رغم أن هذا غير مسموح به ضد القلة الصهيونية حتى تحت نفس التبرير، وبهذا أضيفت الرسوم الكاريكاتيرية إلى قائمة المصالح الغربية التي لا يجوز لنا العبث بها وإلا حلت علينا لعنة الفن السابع كما حدث في الفيلم الأخير وربما أُضفنا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بتهمة ارتكاب جريمة الامتعاض ضد الإنسانية المتمسكة بحرية الرأي والتعبير!
-ألمانيا من التخلي عن المصالح الكبرى احتراماً لنا إلى التباهي بالتافهات احتقاراً لنا
أقول هذا وأنا أتطلع إلى الخلف قليلاً لأرى ألمانيا التي استخفت بنا اليوم في ظل انقسامنا كيف كانت تعاملنا بالأمس في ظل وحدتنا، ففي نهاية القرن التاسع عشر كانت ألمانيا قد أنجزت وحدتها وبنت قوتها وتطلعت لمصالحها خلف حدودها متبعة سياسة التحالف مع الدولة العثمانية تحت عنوان “التوجه نحو الشرق” ولأجل ذلك تخلت عن مصالحها الأخرى في تأييد الاستيطان اليهودي بل وأيضا عن الاستيطان الألماني نفسه في فلسطين وأرجاء الدولة.
فقد قام الإمبراطور الألماني ولهلم الثاني بزيارتين إلى الدولة العثمانية (1889) و(1898)، وفي الزيارة الثانية حاول تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الحصول على تأييد الإمبراطور لمشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين، ولكن لوجود التعارض بين السياسة العثمانية والبرنامج الصهيوني فإن الإمبراطور خلص “إلى أن صداقة الدولة العثمانية أثمن لألمانيا من صداقة الحركة الصهيونية، ولذلك لم يكن في مقدور ولهلم الثاني أن يدلي في تلك الفترة بتصريح يرضي فيه الأماني الصهيونية، لأنه كان حريصاً الحرص كله على تدعيم صلاته بالدولة العثمانية وبرعاياها المسلمين”[162]، رغم أن ويلهلم كان يرى في تأييد الصهيونية مكسباً كبيراً ومزايا كامنة لألمانيا[163]، فأين جبابرة سايكس بيكو الذين يرى الغرب كله صداقة الحركة الصهيونية اليوم أثمن من صداقتهم جميعاً، بل تصبح صداقتهم مع الغرب تابعة لمدى حرارة علاقاتهم بالصهاينة وفي ذلك فليتنافس المهرولون، ويدلي قادة الغرب بالتصريح تلو الآخر في إرضاء الأماني الصهيونية ولا يبدون أي حرص على دعم صلاتهم بدول التجزئة ورعاياها؟
نعم لقد كان لألمانيا بالفعل مصالح في الدولة العثمانية أبرزها سكة حديد بغداد، ولكنها لم تكن أكبر من المصالح الغربية العريضة في زمننا هذا في الشرق العربي الإسلامي والتي بالرغم منها يفضل الغربيون المصالح الصهيونية على مصالح العرب والمسلمين ويمعنون في إهانتهم كما مر، ” فقد كان (السلطان) عبد الحميد أدهى من أن تبهر بصره بطولات حاميه (الألماني) الجديد، ولكنه كان يدرك قيمة مثل هذا الحليف القوي في المحافل الأوروبية، وكان كذلك واثقا بقدرته على دفع جميع المخاطر التي قد تنشأ عن رغبة ألمانية في السيطرة”[164]، ولهذا فإن ألمانيا لم تستطع أن تفرض على العثمانيين استيطاناً ألمانيّاً-فضلاً عن الاستيطان اليهودي- في بلادهم، رغم أهميته لها ضمن استراتيجيتها الحيوية لمشروع سكة بغداد الذي تقيمه بأموالها وتصور ساستها أن يحمي طريقه مليونا مستوطن ألماني[165]، ورغم حاجة العثمانيين إلى تحالفهم معها في مواجهة بقية المصالح الأوروبية وبخاصة البريطانية والفرنسية، ولكن كل هذا لم يمنع السلطان من قول “لا” مدوية لا لبس فيها في مواجهة الاستيطان الألماني بتعبير أحد المؤرخين[166]، وذلك ليبقي أراضي الدولة مخزوناً للمهاجرين المسلمين الفارين من الاضطهاد والاحتلال[167] الذي كان محتدماً في القوقاز والبلقان، وأن يحتفظ لمشروع سكة حديد بغداد ببعده العثماني رغم أهمية الدور الألماني في بنائه[168]، فأين لنا اليوم مثل هذه المواقف القوية في مواجهة المصالح الأجنبية عندما تكون هي في حاجة إلينا فضلاً عن أن نكون نحن في حاجة إليها؟
-قبر صلاح الدين بين زيارتين
وفي نفس الزيارة قام الإمبراطور ولهلم بالمرور بدمشق حيث زار قبر السلطان صلاح الدين الأيوبي ووضع عليه إكليلاً من الزهور آمراً بصنع مصباح فضي هدية للضريح بصفته معجباً بالقائد المسلم، ولعل مقارنة بسيطة بين هذا الاحتفاء و”زيارة” القائد الفرنسي غورو المهينة لنفس المكان عندما دخل دمشق فاتحاً محتلاً في عهد سايكس بيكو الذي دشنته ثورة العرب (1916) المتحالفة مع بريطانيا، هذه المقارنة كفيلة بإلقاء الضوء على مدى الانحدار الذي سقطنا فيه في مدى سنوات قليلة من التحالف مع الغرب.
-النتيجة: سر الاحترام والاحتقار
إن هذا التباين الواضح في المواقف من الفنون المسيئة بل من المصالح الكبرى بين الأمس واليوم نجد تفسيره في خطبة الإمبراطور ولهلم في دمشق حيث ألقى خطاباً قال فيه:”فليطمئن حضرة صاحب الجلالة السلطان، وليطمئن معه الثلاثمائة مليون مسلم الذين يحترمونه لأنه خليفة المسلمين، إلى أنهم سيجدون في إمبراطور ألمانيا الصديق الدائم لهم”[169]، فمخاطبة حاكم واحد يمثل أمة كبرى عدد أفرادها ثلاثمائة مليون-في ذلك الزمن-وتمتد بين المحيطات تفرض احترامه على مخاطبه وتختلف جذرياً عن مخاطبة حشد من الصغار أصحاب الهيلمان الكاذب والصولجان الزائف الذين لا يمثل الواحد منهم إلا أفراداً لا يزيد عددهم عن عدد سكان حي في مدينة ألمانية!
نظام الحكم وحدود الاستبداد
كثر الكلام عن استبداد السلطان عبد الحميد بل ودمويته أيضاً، ولكن اقتراب العدسة من الصورة يؤكد أن إسقاط المصطلح الخاص بالاستبداد العربي المعاصر على استبداد السلطان عبد الحميد فيه الكثير من التجني والتجاوز، ولإثبات ما أقوله عن آخر أيام الخلافة سأروي جانباً من علاقة أحد معارضي السلطان بالدولة في زمن أوج ما وصف باستبداده، وسنرى أنها لم تكن علاقة فريدة في زمنه:كان يوسف ضياء باشا الخالدي(1842-1906) نائباً عن فلسطين في مجلس النواب الأول 1877-1878 “وبرز في مقاومته ونقده لسياسة السلطان عبد الحميد وفي ازدرائه (أي السلطان)للدستور…وصفه يوجين شيلر، القنصل الأمريكي في العاصمة العثمانية، بقوله:لقد أثار يوسف زوبعة في البرلمان بجرأته…إنه ينتقد السلطان والموظفين الفاسدين والأتراك بشكل عام بألفاظ فظة” ف”قرر(السلطان) حل البرلمان…وبعد يومين، تقرر نفي عشرة أعضاء بارزين من المعارضة” ويخيل للمرء للوهلة الأولى أن النفي سيكون إلى ما وراء الشمس حيث لا يصل مخلوق فإذا بنا نفاجأ أنه “نُفي”إلى وطنه ليتقلب في المناصب الرسمية!
“وصل يوسف الخالدي إلى ميناء يافا…وانتقل منها إلى القدس، فتسلم رئاسة البلدية مرة أخرى(!) وفي تشرين الأول أكتوبر 1878 أرسله رءوف باشا على رأس أربعين فارساً لإحلال النظام في الكرك(!)….وسافر يوسف إلى فيينا في أواخر أيلول سبتمبر 1879 (!)، بعد أن استقال من رئاسة البلدية…..وفي السنة التالية أصدر في فيينا ديوان لبيد العامري (!)….وعن تعيين يوسف ضياء مدرساً في جامعة فيينا جاء في جريدة الجوائب التي كانت تصدر في الآستانة، العدد رقم 984 الصادر في 7/1/1880، ما يلي:إن حضرة عزتلو ضياء أفندي الخالدي الذي كان مبعوث القدس الشريف بالآستانة……(ثم تذكر أخباره وسعيه في نفع بلاده حتى في الغربة)…”
“وفي سنة 1881 عاد يوسف ضياء إلى فلسطين وعين قائمقاماً في يافا (!)، ثم مرجعيون في السنة التالية (!)، وبعدها عين حاكماً على مقاطعة موطكي في الشمال الغربي من بتليس التي يسكنها الأكراد (!)، وهناك أتقن اللغة الكردية فوضع بعد ذلك قاموساً وصدر في الآستانة سنة 1892-1893 تحت اسم الهدية الحميدية في اللغة الكردية(!). ويظهر أن يوسف تصالح مع الباب العالي والسلطان عبد الحميد فعاد إلى الآستانة للعيش فيها (!)” ولنر كيف كانت هذه المصالحة:”ذكره الكاتب البريطاني أمري في مذكراته ، ص69-70، بقوله:إن يوسف ضياء، كشاب متحمس، تمتع في الماضي بحرية واسعة في البرلمان في نقد الدولة وسياستها…وحتى في قصر السلطان، وبحضوري، كان هذا الباشا الصريح يردد على مسامع عزت باشا (كاتب السلطان) الحديث عن شرور نظام عبد الحميد، وهذا(أي عزت باشا) يسمعه بخنوع ويطلب منه فقط ألا يرفع صوته عاليا”(!!)، هذا هو السلطان المستبد الأحمر الذي ضاقت الأرض بظلمه: ينفي عدوه إلى موطنه ويقلبه في الوظائف والسفريات والرحلات حيث يتعلم اللغات و ينشر ما شاء له من مؤلفات وتكتب أخباره بتفخيم صحف العاصمة حيث مركز الاستبداد، ولما يصالح المنفي ظالمه يدخل قصره وينقده بصوت عال فلا يجد من يتصدى له إلا ربيباً يحفظ جميله القديم ويقدم ذلك على الرعب من السلطان الأحمر في عقر داره ويرجو من صاحب الصوت العالي أن يخفض من صوته فقط (!!) فإذا علمنا أن هذا الأسلوب من”العقوبات الرادعة” هو الذي كان متبعاً في خلافة عبد الحميد، علمنا مدى الاستغفال الذي أقنعنا بمظالمه وتمنينا في نفس الوقت لو كنا من معارضيه ليرسلنا في رحلة نفي سياحية كالتي حصل عليها يوسف باشا الخالدي لنعود بعدها ونرفع صوتنا المعارض في عقر قصره (!)، وقد اقتبست النصوص السابقة من كتاب أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني ولم أتدخل قدر الإمكان لأنقل الحقيقة كما سطرت إلا في علامات تعجبي[170].
ومن الأدلة على أن هذا التسامح مع المعارضة هو الذي كان سائدا أننا كلما قرأنا عن معارض ارتبط ذكره بما منح له، فالأستاذ أحمد الشقيري رحمه الله يذكر أنه ولد في “معتقل” والده في قلعة تبنين في لبنان زمن السلطان عبد الحميد[171]، وإنه لاعتقال طريف هذا الذي يعيش صاحبه مع أسرته وينجب ما شاء له من الأبناء، والأطرف أن هذا المعتقل ، بعدما “حررته”بريطانيا من الاستبداد العثماني انتهز الفرصة “للانتقام” من ظالمه بطريقته الخاصة فكان “يتحدث بحرارة المؤمن المنافح عن أيام الباب العالي في إستانبول وعن الموقف الشهير الذي وقفه السلطان عبد الحميد في رفضه استقبال هرتسل مؤسس الصهيونية”[172]، ويذكر الأمير شكيب أرسلان في رحلته الحجازية أثناء حديثه عن الوصول للطائف:”وقد أنزلتني إمارة الطائف في دار شاهقة كانت تخص أحد أمراء الأكراد ممن نفي إلى الطائف أيام السلطان عبد الحميد”[173]، وفي حوادث سنة 1905 من تاريخ العراق بين احتلالين خبر نفي بعض العلماء منهم ثابت الآلوسي ومحمود شكري الآلوسي إلى بلاد الترك ولكن”لم يطل أمر تبعيدهم ولا تجاوزوا الموصل وإنما تشبث أهل الموصل من علماء وأعيان كما تشبث الأستاذ الحاج علي علاء الدين الآلوسي الذي كان في استنبول في إرجاعهم فعادوا بعد مدة قصيرة”[174].
فهل هذه النماذج وغيرها مما يضيق المقام بها تناسب ما علق بأذهاننا من الاستغفال الاستشراقي عن الاستبداد العثماني الأحمر؟وهل تقارن بما ساد بعدها من مركزية دويلات سايكس بيكو؟ ألسنا بحاجة إلى إعادة النظر في تاريخنا لنبني عليه ما يناسبنا لا ما يملى علينا من مصالح غيرنا؟
طريقة مواجهة الثورات والأزمات
يروي الأمير شكيب أرسلان أنه عندما جرى الانقلاب على السلطان عبد الحميد سنة 1909 نصحه الصدر الأعظم توفيق باشا بعدم المقاومة خوفاً من حرب أهلية، وأنه كان يحيط بقصر يلدز سبعة آلاف من الجيش الخلص للسلطان، إلا أنهم لم يروا السلطان ناوياً المقاومة، فخضعوا لمحمود شوكت باشا قائد الانقلاب[175]، وقد أكد السلطان أنه لم يكن يرغب في إراقة دماء جنوده لأن الأمة لم تعد تثق به[176]، ولو كان مستبداً ودموياً إلى الحد الذي صوروه به لما أصغى لتوفيق ولا لأي رفيق، ولسفك الدماء ودمر البلاد في سبيل عرشه.
ورفض طلب العون الأجنبي من سفراء الدول الكبرى القادرين على حمايته “لم أتدن حتى أطلب لنفسي حماية دولة أجنبية وأشخاص أجانب”[177]، كما رفض الهرب والفرار “لم أنحط ولم أتدن إلى درجة الفرار” ورغم توقعه أن يحدث له ما حدث لعمه القتيل السلطان عبد العزيز ، ورغم قدرته على الفرار من هذا المصير “ومع هذا، فلو قطعوا لحمي إرباً إرباً ، فلن أفكر في اللجوء إلى دولة أجنبية، إن الهروب من الوطن يوجب العار، بل إن أكبر أنواع الانحطاط والسفالة أن يرتكب إنسان مثلي يحكم دولة منذ ثلاث وثلاثين سنة، عملاً مثل هذا ، إني مستسلم لله ولقضائه”[178]، ورفض كذلك العودة على أسنة الرماح الأجنبية “لست بالسلطان الذي يرفعه الإنجليز أو الألمان إلى العرش، لا أرى الله حاكماً قط ذلة أن يكون مديناً لدولة أجنبية في ارتقاء لعرش أو لبس لتاج”[179]، ومن الواضح أن الله لم يستجب دعاء السلطان في ملوك التجزئة الذي أتى جميعهم على أسنة الرماح الأجنبية ولم يغيروا ما بأنفسهم فلم يغير الله ما بها، ولما اقتربت جيوش الحلفاء من اسطنبول في الحرب الكبرى وفكرت الحكومة في نقل العاصمة والخروج من المدينة رفض السلطان المعزول عبد الحميد ذلك واستشهد بموقف الإمبراطور البيزنطي الذي مات دفاعاً عن القسطنطينية يوم فتحها، ولما زاره طلعت باشا أحد أركان الاتحاد والترقي لاقتراح الخروج أجابه بالقول:”لا، لست أقل من قسطنطين الإمبراطور البيزنطي، إنني أعرض طاعتي الكاملة لحضرة صاحب الجلالة أخي (السلطان محمد رشاد) ، وإني خرجت من سلانيك بناء على إرادته الشاهانية، لكني لن أخرج من استانبول ، إني أسترحمه بشرف أجدادنا ألا يخرج هو أيضاً من استانبول”، وقد وصف الباشا حالة السلطان لما طلب إليه الهروب من العاصمة بأنه أصابته حالة أشبه بالجنون مطالباً أخاه بإبداء نفس الصلابة والثبات وحب القسطنطينية التي أبداها الإمبراطور قسطنطين، وهو ما “علينا نحن أحفاد المغفور له السلطان محمد الفاتح”[180].
فأين كل ذلك من استبداد تجزئة سايكس بيكو ومذلتها ومخابراتها وانحطاط أنظمتها الديكتاتورية واللائذة بالحماية الأجنبية؟
السلطان عبد الحميد وآخر أيام الخلافة في الذاكرة
إن كتاب “السلطان الأحمر عبد الحميد” مؤلف استشراقي يحكي قصة حياة هذا السلطان بأسلوب تلخصه صورة الغلاف المليئة بالقتل والدم والرقص والبذخ إضافة لقسوة تعابير وجه السلطان الغارق في كل ما سبق، وقد أصبح هذا الاختزال من مخلفات الماضي، ولكن المهم ما قاله المؤلف “جون هاسلب” في خاتمة الكتاب تحت عنوان “السنوات الأخيرة” التي أعقبت خلع السلطان عن العرش: “لا نعرف الشيء الكثير عن السنوات الأربع الأخيرة من حياة عبد الحميد….(و) ربما لم يكن عبد الحميد يوماً ، أقرب إلى شعبه مما كان عليه في تلك الأيام، حين امتزجت همومه الشخصية بمخاوفه على مستقبل بلاده، في وقت كانت فيه مدافع مدينة غاليبولي تدوي عبر المضايق، ودخول الغواصات البريطانية إلى بحر مرمرا يزرع الذعر في العاصمة…ثم تتابعت الكوارث، وأخذ الناس يترحمون همساً وبأصوات منخفضة، على زمن سعيد مضى، زمن كان فيه “البابا حميد” جالساً على عرش سلاطين بني عثمان”[181].
ويؤكد ذلك الأستاذ سعيد الأفغاني الذي كتب من دمشق في مجلة العربي الكويتية تحت عنوان “عبد الحميد في ذاكرة شعبه”: “إني أعي في طفولتي-وقد نزل من ويلات الحروب وضياع البلاد والمجاعة والقحط أيام الحرب العامة الأولى- الناس وهم لا يملون من ذكر أيام عبد الحميد بالخير والرحمات، وكانت كلمة (سقى الله تلك الأيام) لازمة تتردد على الألسنة كلما ذكر عبد الحميد وعهده، ولقد كان عندهم خلع عبد الحميد هو الباب الذي منه تدفقت على البلاد المصائب والشدائد والضياع، ومالي أرجع إلى عهد الحداثة (أي صغر السن) وأنا الآن كلما جلست إلى معمر أو أصغيت إلى حديث يدور بين طاعنين في السن أسمع الترحم على عبد الحميد وعلى أيامه، حتى صار اسمه حناناً في قلوب الناس، تجسد فيه عزهم السابق ورخاؤهم وأمنهم وسلامة مقدساتهم”[182].
الاستنتاج
كانت الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر “تكافح لإصلاح ذاتها والحفاظ على وجودها دولة حديثة “[183]كما يقول المؤرخ جستن مكارثي، فقامت بإنجازات عديدة رغم الظروف المعاكسة، ولكن أعداءها لم يتركوا لها “فسحة للتنفس”، وأصروا على استنزافها بالحروب والمؤامرات حتى لحظاتها الأخيرة ، وكان الاستنزاف الغربي للدولة يستهلك نسبة عظمى وصلت إلى 95% من ميزانيتها في خدمة الديون والإنفاق على الجيش لحماية الدولة[184]، وفق أرقام بداية القرن العشرين، ولو قدر لبلادنا الاحتفاظ بوحدتها والسير في تقدمها بنفس المعدل منذ آخر أيام الخلافة لكنا في مكان آخر اليوم ولكن القضاء على وحدة مجالنا السياسي أصبح هدفاً لقوات الحلفاء في الحرب الكبرى ولهذا تم تقطيع أوصال الدولة العثمانية بعد الحرب بطريقة لم تطبق حتى على ألمانيا زعيمة دول الوسط، مما أدى إلى قطع الطريق على إنجازاتنا السابقة وأفقدنا إمكانات البناء الموحد المتأتية من تنوع الموارد الاقتصادية في المجال الجغرافي الواسع وأدى فرض التجزئة الاستعمارية إلى تدمير المشاريع الوحدوية الكبرى التي وصلت بين أرجاء أمتنا ومنع احتمالات قيام مشاريع جديدة ، كما أدى فرض الهيمنة الأجنبية الانتدابية إلى فرض التبعية للقوى الغربية المهيمنة على اقتصاديات بلادنا التي أصبحت عاجزة عن الاكتفاء الذاتي لقلة مواردها الناتجة عن صغر مساحات كياناتها المجهرية بالإضافة إلى فرض نمط من التطوير الاستعماري الذي لم يأخذ في الحسبان إلا مصالح المراكز الإمبريالية المهيمنة ولذلك كانت جميع مظاهر التطوير متجهة لخدمة هذه المصالح الغربية فلم تؤد إلى تغيير الهياكل الاقتصادية في دول التجزئة لصالح تنمية اقتصادية مستقلة وهو عجز يشير إليه واقع هذه البلاد بعد نهاية الانتدابات بكل وضوح ، وكل ما سبق يعطي أجيالنا درسا موثقا عن أهمية الوحدة وإنجازاتها، لأن منطق الوحدة والكيان الجامع حتى مع الضعف الطارئ أفضل من منطق التجزئة والفرقة الملازم للاستسلام والتبعية، فالكيان الكبير يفرض على أصحابه منطق الدولة العظمى الذي يقتضي الاستقلال والتميز عن بقية القوى الدولية والعمل المستمر على البقاء في المقدمة ويتمكن من ذلك بالإمكانات الكبيرة المتوفرة لديه من الاتساع الجغرافي كما نرى في الدول الكبرى اليوم، أما الكيانات الصغيرة العاجزة عن إطعام أنفسها والدفاع عن حدودها وتلبية حاجات مواطنيها لقلة إمكاناتها فإنها لا ترى الحل إلا في التبعية للدول الكبرى المعادية لقضايانا والتي حققت اكتفاءها على حساب ثرواتنا المبعثرة بين أيديها بعد عجز أصحاب هذه الثروات عن حسن استغلالها وحماية حقوقهم فيها.

الكاتب : محمد شعبان صوان
المصدر : أرشيف الدولة العثمانية

الجمعة، 4 مارس 2016

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الثالث


سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الثالث

نتائج سياسة الجامعة الإسلامية وثمارها
وكان من ثمار حركة الجامعة الإسلامية ما أجمعت عليه المراجع من أن فكرة الانقسام القومي لم تظهر لدى العرب خاصة إلا بعد الانقلاب على صاحب الفكرة سنة 1908، وفي ذلك يقول الأستاذ عادل مناع إن معظم المؤرخين الذين درسوا جذور الحركة القومية العربية يجمعون على أن رواد اليقظة الأدبية في بيروت “لم يتركوا أثراً كبيراً في الاتجاهات السياسية في البلاد الشامية” رغم أهمية دورهم الثقافي، “فقد نجح السلطان عبد الحميد الثاني، جراء سياسته الإسلامية وتقريبه الكثيرين من الشخصيات العربية، في كسب ولاء وتأييد الأغلبية الساحقة من سكان المنطقة حتى حدوث الانقلاب وعزله عن العرش”[118]، وقد فصل السفير البريطاني في استانبول في تقريره السنوي لسنة 1907 أثر فكرة الجامعة الإسلامية في مسلمي الدولة العثمانية وبقية المسلمين خارجها بعد إنشاء سكة حديد الحجاز بقوله إن هناك عاملين رئيسين أثرا في السياسة العامة في السنوات العشر السابقة أحدهما هو “تلك السياسة الماهرة التي حدت بالسلطان إلى أن يظهر أمام ثلاثمائة مليون من المسلمين بمظهر الخليفة والزعيم الروحي للإسلام، وبثت في نفوس رعاياه الحماسة والاستجابة لشعوره الديني حين مد سكة حديد الحجاز…وكان من نتيجة ذلك أن أصبح رعاياه يدينون له بالطاعة العمياء إلى حد لم يسبق له مثيل، وأصبحوا يقبلون عن رضى باستبداده المطلق الذي لم يشهد التاريخ له شبيهاً من قبل…”[119] ولا يخفى ما في حديث السفير من مبالغات استشراقية ولكن ما يهمنا هو التوثيق لأثر الجامعة الإسلامية وكيف أن وجود مركز واحد يساهم في تجميع جهود ومشاعر المسلمين بصورة أفضل من الشرذمة حول المراكز الإمبريالية الغربية كما حدث فيما بعد، ولا يمكن أن نجعل من تلك الوحدة وضمور فكرة الانفصال في عهد السلطان من نتائج الاستبداد كما ذهب إلى هذا بعض المؤرخين ، ذلك أن حكم الاتحاد والترقي كان أشد استبداداً من حكم السلطان عبد الحميد بالاتفاق، ولكن ذلك الاستبداد الاتحادي لم يؤد إلى أن يصبح رعاياه يدينون له بالطاعة العمياء إلى حد لم يسبق له مثيل ولم يجد هذا الحكم من يرضى باستبداده المطلق ولم يجد الدعم من ثلاثمائة مليون مسلم كما كان الحكم الحميدي يجد كل ذلك، فلا بد أن هناك عناصر أخرى غير الاستبداد الاستشراقي توفرت في حكم السلطان عبد الحميد وأمدته بهذا الدعم الشعبي العام وليس من الصعب علينا اكتشافها ولكن ذلك يصعب على المدرسة الاستشراقية-الاستئصالية التي تتمسك بكونها أعلم بمصالح الآخرين من أنفسهم.
وكان لسياسة الجامعة الإسلامية أثرها في السياسة الدولية بما عاد بالنفع على الدولة العثمانية، إذ يقول المؤرخان شو إن توقف العدوان العسكري الغربي عليها بعد الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882 وتحول الصراع الاستعماري من الميدان العسكري إلى التنافس الاقتصادي طوال العهد الحميدي يعود-ولو بصورة جزئية-إلى نجاح السلطان في استخدام السلاح الإسلامي في صد المعتدين الإمبرياليين الغربيين[120]، وتحت عنوان “عبد الحميد يلجأ إلى جامعة إسلامية ذات عصبية عربية” يؤكد الأستاذ محمد جميل بيهم الرأي السابق ويستدرك عليه بالقول إن هذه السياسة ردت عن السلطنة غوائل كثيرة في ذلك الوقت في الداخل والخارج وأفادتها ولاسيما في نطاق جمع كلمة المسلمين حول السلطان وذلك بالتلويح بالأخطار الأجنبية المحيقة بهم “إلا أنها كانت مصدرا لحرب دعائية قوية أثارتها عليه الدول المستعمرة، ومؤامرات ضده في داخل سلطنته اشترك فيها شباب الترك الذين أسموا أنفسهم بالأحرار فكان كل ذلك مما أطاح به عن العرش فيما بعد وأطاح بهذا العرش الذي لعب دوراً كبيراً في تاريخ العالم”كما أن سياسة الجامعة الإسلامية ولجوء السلطان إلى هز عصا الخلافة والتفاف العرب حوله كان له آثار سلبية على بريطانيا وفرنسا “زعيمتي دول الاستعمار”اللتين خفتا إلى “محاربة هذه السياسة بالاستناد إلى بعض رجالات العرب على صعيد أن العرب هم أصحاب الحق بالخلافة”[121].
ويذهب المؤرخ ويتكروفت إلى أن السلطان عبد الحميد أصبح في نظر الغربيين تجسيدا لأسوأ السجايا التي ألصقت بالعثمانيين كالوحشية والجبن والشبق، وأنه لم يُمقت أي سلطان بشكل واسع كما مُقت عبد الحميد حتى أطاح به الجيش والسياسيون ونفوذ القوى الغربية الكبرى[122].
العلاقات الخارجية في آخر أيام الخلافة العثمانية
استندت سياسة السلطان عبد الحميد الخارجية إلى إثارة الخلافات بين الدول الكبرى للحؤول دون اتفاقها ضد العثمانيين، وكان يسره أن يرى صراع الدول الكبرى في سبيل كسب صداقة الدولة العثمانية “إذ يقلل من الصعوبات التي تعترضنا في حل مشاكلنا السياسية”[123]، وقد سبق ذكر فقرات متفرقة من سياسة الدولة العثمانية الخارجية تجاه العدوان الغربي واحتلاله بلاد المسلمين وأطماعه في المزيد، وملخص الأمر على صعيد السياسة الخارجية أن الدولة العثمانية ظلت في القرن التاسع عشر “قوة يحسب حسابها في السياسة الخارجية في كل من بريطانيا وفرنسا وإمبراطورية النمسا وكذلك ألمانيا وإيطاليا، ومن جهة أخرى فقد بقيت قوى محلية في الهند وآسيا الوسطى وشمال إفريقية تتطلع إلى الدولة العثمانية لحماية مصالحها” كما يقول المؤرخ دونالد كواترت في كتابه الدولة العثمانية[124]، وقد وصف بعض المؤرخين سياسة الجامعة الإسلامية التي تبناها السلطان عبد الحميد بأنها كانت غولاً يرعب أوروبا في ذلك الزمن.
وكانت الدولة الكبرى التي تعادي الدولة العثمانية يتضاءل نفوذها التجاري أو الاستثماري أو المالي تبعاً لذلك كما حدث مع بريطانيا، والعكس يحدث مع الدول التي تعرض صداقتها دون أطماع طاغية كما حدث مع ألمانيا، وهو ما نفتقده في عصر الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية إذ يزيد نفوذ الغرب لدينا كلما أمعن في معاداة قضايانا ومصالحنا لأنه يجد تربة خصبة في التجزئة لحفز التنافس بين الصغار على إرضائه مهما أجرم في حق أمتنا.
ورغم الحديث الكثير عن شدة التدخل الأجنبي في شئون الدولة العثمانية، فإننا نجد أن وضعها كان أفضل من وضع الاستقلال الوهمي لدولة التجزئة المجهرية، ويمكننا إثبات ذلك لو قمنا ببعض المقارنات في عدة مجالات :
1-التدخل الأجنبي في تنصيب الحكام: في يوم 4 فبراير 1942 حاصرت دبابات الاحتلال البريطاني في مصر قصر الملك فاروق وفرضت عليه بالقوة تعيين الزعيم الوفدي مصطفى النحاس رئيساً للوزراء، وهو حدث ألّف نقلة نوعية وسابقة لعملية فرض الزعماء على العالم الإسلامي بالقوة المسلحة، وكان الناس يأنفون من فرض الزعماء على أيدي المحتلين سلمياً حتى أن مصر لفظت السلطان حسين كامل (1914) وحاولت اغتياله أكثر من مرة لأنه استمد شرعيته من الاحتلال البريطاني بعدما كان الخديو يستمد شرعيته من تعيينه بفرمان الخليفة العثماني، ثم أصبح الحاكم يعين بالقوة الاستعمارية المسلحة المفروضة على حكام التجزئة دون أن يستطيعوا الاعتراض واستمر هذا الأمر إلى يومنا ومن لم يقبل خُلع بالقوة ، وفي زمن ضعف الخلافة العثمانية حاولت بريطانيا ممارسة هذا الأسلوب في أثناء الأزمة الأرمنية سنة 1895 حين أرسلت أسطولاً من ثمانية عشر سفينة حربية إلى سالونيك “بقصد إرهاب الدولة العلية وتهديدها”، وفي 9 نوفمبر 1895 وقف اللورد سالزبوري (رئيس الوزراء البريطاني في نهاية عهد الملكة فكتوريا) وألقى خطبة عنيفة في لندن طعن فيها بالسلطان عبد الحميد “وأنذر المسلمين بقرب خلع خليفتهم وأوهم العالم كله بأن دول أوروبا متفقة جميعها مع إنكلترا في خطتها ونواياها” ولكن “شعرت كل أوروبا وقتئذ بأنه يستحيل عليها أن تتداخل تداخلاً عسكرياً وأن مثل هذا التداخل يجر على العالمين المصائب العديدة حيث يكون سبباً لثورة عامة من المسلمين في تركيا وداعية لسفك دماء كافة المسيحيين في الشرق وأصلاً لحرب أوروبية عامة، وقد اضطر اللورد سالسبوري نفسه أن يقول:” مادامت السلطنة العثمانية قائمة فليس لأوروبا قوة تضغط بها على تركيا وكل ما في استطاعتها أن تؤثر على فكر جلالة السلطان”ويعقب الزعيم الكبير مصطفى كامل باشا على ذلك بقوله:”فليقارن القارئ بين هذه اللهجة وبين لهجة اللورد نفسه في خطبة 9 نوفمبر عام 1895 يوم قال إن دول أوروبا كلها متفقة مع إنكلترا وأنذرنا معاشر المسلمين ومعاشر العثمانيين بقرب خلع صاحب الخلافة العظمى!!!”[125]، وأنا أدعو القارئ أيضاً للمقارنة بين تلك اللهجة وفلسفة الغرب في التعامل مع حكام الخليج والتي أفصح عنها المعتمد البريطاني السابق في أكثر من بلد خليجي هارولد ديكسون الذي قال :”إن مكانة بريطانيا وعزها يحددهما مدى الخوف وليس الاحترام”[126]، وهي فلسفة ورثتها الولايات المتحدة في تعاملها مع العرب بغطرسة فاضحة أحياناً، فشتان بين عز الوحدة حتى مع ضعفها وذل التجزئة في أبهتها.
وقد أصبح التدخل الاستعماري المسلح لخلع الحكام أو تنصيبهم على بلدان التجزئة ظاهرة منذ حادث 4 فبراير، وقد تكرر ذلك في عدة بلاد فيما بعد، كما أن أسلوب التآمر لتنصيب الحكام وخلعهم لم ينقطع منذ سقوط الخلافة، وكان تدبير الانقلابات أو المؤامرات من أوضح الأمثلة على ذلك في البلاد الثورية أو المحافظة، وقد كشفت الوثائق عن حقائق مذهلة في هذا المجال، والمرة التي حاولت بريطانيا ممارسة هذا الأسلوب خفية أثناء أزمة خلع السلطان عبد العزيز واغتياله واتصال بعض وزراء التغريب بها كان مصيرهم فيها المحاكمة والعقوبة في زمن السلطان عبد الحميد، وبعدما وصلت جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم بدعم أجنبي انقلبت على رعاتها ودخلت الحرب الكبرى للثأر من جرائمهم في حق الدولة العثمانية، أما دول التجزئة فقليلاً جداً ما شاهدنا صيغة الخروج عن المسار الاستعماري فيها.
2-استفادة المخططات الأجنبية الاستعمارية من السياسة المحلية: وفي الوقت الذي كان فيه حكام التجزئة مجرد أزرار ينفذون مخططات الدول الكبرى كما تملى عليهم، أكثر بعض المؤرخين من تسقط أخطاء العثمانيين وضخموها للاستدلال على تعاونهم مع الأجنبي، ولعله لم ينل حادثاً من النقد ما نال منشور إعلان عصيان عرابي باشا(1882) الذي حلا لهؤلاء المؤرخين أن يضعوا به كل أوزار الاستعمار على كاهل العثمانيين.
وقد سبق الحديث عن هذا الموضوع وما أريد إضافته هنا أن إغفال كل تعاون دولة التجزئة مع المخططات الاستعمارية والتركيز على خطأ عثماني واحد ليس من الإنصاف ويدل على عور في الرؤية التاريخية، إذ أين نحن من إفادة الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة من سياسة ثورة يوليو 1952 في محاربة الشيوعية[127]؟ وأين نحن من إفادة الولايات المتحدة من سياسة حكم الرئيس جمال عبد الناصر في محاربة النفوذ البريطاني وقواعده في العالم العربي؟ حتى أنها وقفت إلى جانبه علناً ضد العدوان الثلاثي[128] وقبل ذلك في إسقاط حلف بغداد[129]وقبله في إنحاء الاحتلال البريطاني لمصر[130]، وأين نحن من سياسات الأحلاف الإسلامية التي أراد منها الغرب ضرب الأمة بعضها ببعض لصالح هيمنته على الجميع[131]؟ وأين نحن من حرب الوكالة عن الدول الكبرى والتي جرت في اليمن بعد الثورة 1962؟وأين نحن من إفادة الغرب من إشعال الحرب بين العراق وإيران واستمرارها وهو ما يتحمل الطرفان مسئوليته؟ وأين نحن من الجهاد الأفغاني ضد السوفييت ومن وقف وراءه ممولاً بالمليارات وداعماً بآلاف المتطوعين بأمر من الولايات المتحدة؟ وأين نحن من غزو العراق وأفغانستان وما قدمته السياسات “الإسلامية” سواء السلفية أم الثورية لخدمة المشروعين؟ وأين نحن من السياسات الاقتصادية التي سفحت ثروات الأمة على مذبح المصالح الغربية سواء بضخ الموارد أم بالإنفاق على خطط التدمير والهيمنة، وسياسات التطبيع التي أقرها وشارك فيها أصحاب القضية أنفسهم فخدمت المشروع الصهيوني بل وحرضته على المنافسين من الجيران والأشقاء بل وزايدت على إدراكه لمصالحه وطالبته بمزيد من التشدد والهجوم على أجزاء من مكونات الأمة؟ هذا ولم لم تنج دولة من دول الشرق العربي الإسلامي من التورط في خدمة كل هذه المصالح الاستعمارية التي يخبو أمامها فرمان عصيان عرابي الذي لم يهادن كاتبة الاحتلال البريطاني قط.
وقد لاحظنا فيما سبق أن السياسة العثمانية حرصت في قضية اتفقت فيها توجهاتها مع التوجهات البريطانية كإلغاء الرق على النأي بنفسها عن التنسيق مع الإنجليز وأبقت تطفلهم بعيداً عن الاطلاع على مسار الأحداث الداخلية، خلافاً لدولة التجزئة التي وصل الحال بها إلى عرض تفاصيل دينها على السفارات الأجنبية لنيل قبولها[132].
3-الخضوع للمخططات الأجنبية الضارة بالذات الوطنية : كانت علاقة الدولة العثمانية بالغرب في آخر أيامها علاقة الضحية بالطامعين بها، ولهذا اتخذت هذه العلاقات صورة التوتر الدائم مع العداوة الظاهرة في بعض الأحيان، ومع أن العثمانيين فقدوا كثيراً من أراضيهم في قرنهم الأخير، فإن ذلك لم يتأت عن طريق الخضوع والاستسلام الذي رأينا نماذجه المهينة في دولة التجزئة والتي وصلت الحدود فيها إلى قبول التحكيم الأجنبي بين الإخوة والجيران بل قبول التمثيل الأجنبي للحكام المحليين[133] الذين يقضي الأجنبي في ملكهم دون علمهم وربما اقتطع أنصاف ممالكهم أو أكثر من ذلك مع عدم قدرة صاحب الجلالة أو السمو على الاعتراض إلا بالبكاء للموظف الاستعماري البريطاني الذي يقوم بتوبيخ أعلى مقامات السلطة العربية كأنه يتحدث إلى تلميذ مشاغب في مدرسة للأطفال[134]، ومع ذلك تستمر التبعية ويستمر الانبطاح، أما استيلاء الأجانب على الممتلكات العثمانية فكان يتبعه عداوة وتوتر وعدم اعتراف بأي احتلال ولو طال أمده، ولا يتم التراجع في دولة متهالكة إلا بهزيمة عسكرية أو بعجز عسكري أو بتهديد بخسارة أكبر، وليس بالانصياع والتبعية والمذلة التي رأيناها في الدولة الوطنية، لم يصرح أي سلطان بأنه سيوقع على ما يقترحه “صديقه” الأجنبي دون قراءته كما فعل الرئيس أنور السادات لأجل “خاطر” الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ومستقبله، حتى وصفه وزير خارجيته محمد إبراهيم كامل بالعبد الذليل في حضرة كارتر[135]، ولم يثق بالأجانب إلى درجة التوقيع فعلاً على أوراقهم دون قراءتها كما فعل الملك فيصل بن الحسين[136]، ولم يتوسل بالصهيونية لتحقيق مصالحه لدى الدول الكبرى كما أصبحت “الموضة” في دول التجزئة كبيرها وصغيرها، وكان صمود السلطان عبد الحميد يخرج بنتائج إيجابية أحياناً مثل رفض المحمية البريطانية في أرمينيا ورفض الأمر البريطاني الواقع في الكويت واستبعاد سلطات الاحتلال من العقبة وشمال الجزيرة العربية، هذا مع استمرار اليقظة العثمانية من الأصدقاء فضلاً عن الأعداء، وعدم تسليم الأوراق حتى للأصدقاء والحلفاء كما رأينا في رفض الاستيطان الألماني فضلاً عن البريطاني والفرنسي والأمريكي، وفي سوء ظن السلطان في النوايا النفطية لحليفته ألمانيا، وحتى حين يعرض أحدهم موقفاً مؤيداً لا يتم الانبطاح له كما فعلت دولة التجزئة مع مستغليها، فالسلطان “إذا كان مستعداً للتعاون مع فرنسا عندما تقود حملة ضد السياسة البريطانية في مصر، فهو لا يمكنه القبول برفضها الاعتراف بسيادة سلاطين بني عثمان على أفريقيا الشمالية” وفقاً لجون هاسلب[137].
4-رفض بيع المواقف السياسية: وعلى العكس من كبريات دول الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية التي عرضت مواقفها للبيع في سوق النخاسة السياسية العالمية مقابل إسقاط ديون أو منح مساعدات أو قروض ولو على حساب بلاد عربية أخرى يتم حصارها وتدميرها (غزة) أو تقسيمها (السودان) أو تدميرها وحصارها ثم احتلالها (العراق) أو الهيمنة عليها (الخليج) بما يناقض حتى المصالح الوطنية الضيقة للبائعين، كانت الدولة العثمانية ترفض عرض مواقفها للبيع ولو بأثمان باهظة، ولهذا رفض السلطان عبد الحميد التبعية للمواقف الروسية مقابل تنازلها عن تعويضات حرب 1877-1878 وفضل دفع هذه التعويضات لمدة مائة سنة على أن تؤيد الدولة العثمانية روسيا في السياسة العالمية[138]، كما رفض بيع جزء ولو كان صغيراً من فلسطين للحركة الصهيونية ولو كان ذلك مقابل تسوية الديون العثمانية وهي السبب الرئيس في ضعف الدولة آنذاك، كما رفض بيع جزية مصر للاحتلال البريطاني حتى لا تصبح هيمنته على هذا البلد شرعية[139]، وإذا كان السلطان عبد الحميد قد رفض أن يعود لعرشه على أسنة رماح أجنبية، فكم من ملك وأمير وشيخ تعهد لبريطانيا عن نفسه وورثته من بعده، بألا يقيم علاقة دبلوماسية، ولا يبيع، ولا يؤجر، ولا يرهن، ولا يتنازل عن قطعة أرض من أراضيه، ولا يمنح امتياز مورد من موارد بلاده إلى دولة أخرى دون موافقة الحكومة البريطانية، مقابل ضمان نظام حكمه، رغم ما في هذه الشروط من إجحاف ظاهر وباطن كان مدمراً في بعض الأحيان كما سبق الحديث عن سكة بغداد، ومع كل هذا كانت الدولة الوطنية تلقن أجيالها هذه “المفاخر” بمباهاة واعتزاز (!)[140]
5-العلاقات مع السفارات الغربية والمبعوثين الأجانب: رغم ضعف الدولة العثمانية في آخر أيامها وحلول التراجع والهزيمة بها مقابل التغول الغربي عموماً والبريطاني خصوصاً، فقد وجدنا أن المبعوثين الأجانب كانوا ينتظرون فترات طويلة قبل مقابلة السلطان العثماني ليعرفوا موقعهم[141]، وكان السفير البريطاني ينبه بأن تكون مباحثاته ثنائية وبأن أي إساءة علنية مرفوضة[142]، وعندما يسيء أحدهم الأدب في حضرة السلطان[143]فإن الرد يأتيه بعملية “لطع” في غرفة باردة لمدة ساعة يصاب على إثرها بنزلة برد تلزمه الفراش رغم كونه حاملاً رسالة من الملكة فكتوريا نفسها[144]، أو برفض استقباله لدى السلطان مطلقاً[145]، أو برفض تلبية مطالبه وتدخله في الشئون العثمانية[146]، لم يقبل السلطان العثماني أن يأتي بالتدخل الأجنبي المباشر كما جاء ملوك التجزئة، ولم يكن على “علاقة حميمة” مع السفير البريطاني ويجتمع به لتلقي”نصائحه” في كل شاردة وواردة في ملكه[147]، ولم يكن يعمل جاسوساً لأعداء بلاده كما ثبت عن غير واحد من “أشراف”أوطاننا المجزأة في الأردن والمغرب[148]، ولم يكن المندوب السامي يرفع حذاءه في وجهه[149]، ولم يكن يفوض البريطاني بالحديث نيابة عنه دون استشارته ثم يبكي وينهار أمامه في مشهد مسرحي ومحزن[150]، أو ينهار عندما يواجهه الموظف الاستعماري ويحشره في الزاوية[151]، ولم يكن الأمريكيون يؤنبونه ويوبخونه ويمتهنونه “دائما” كما فعلوا مع زعامات عربية ثورية كبرى[152]، ولم يتوف سلطان عثماني زمن الضعف والتراجع بعد اجتماع بمبعوث غربي كما حصل مع أمير البحرين السابق الذي لا يُدرى حتى اليوم ما الذي وضعه وزير الدفاع الأمريكي اليهودي كوهين على كاهله أثناء اجتماعه به فلم يتحمل ومات من ساعته[153]، ولم يجرؤ مبعوث غربي على إسكات سلطان المسلمين بكلمة “إخرس shut up” لو خاطبه بأمر يكدر بال الغرب من مصالح المسلمين كما ذكر العقيد الليبي الراحل معمر القذافي عن حاكم عربي شكى له من تسلط الأجانب عليه وإخراسه بتلك الكلمة عندما يفاتحهم بموضوع فك الحصار الذي كان مفروضاً على ليبيا، ولم يكن السلطان العثماني يسلم أهله للأجانب ويثني على “دماثة أخلاق وجم أدب وكمال”المندوب السامي البريطاني الصهيوني ، “السياسي المحترم الكامل” الذي جاء ليخبره بأنه تقرر نفي والده (ملك العرب سابقاً) والدموع ملء عينيه وهو يفضي بالنبأ برقة حاشية وتأثر عميق كما يقول الملك عبد الله الأول في مذكراته عن هربرت صموئيل الذي أسس الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ويخاطب الملك الإنجليز رداً على عدوانهم على أبيه وكأنه يخاطب رب العالمين بقوله إن هذه الدنيا كثيرة المحن وسنصبر ونحتسب(!)[154]، ولم يكن السلطان العثماني يرفع بريطانيا إلى منزلة والديه اللذين أوجداه في الحياة ويقدم نصف مملكته إكراماً لعيونها[155]، ولم يكن المبعوث البريطاني يشرف على اجتماعاته وقراراته كما كان الجنرال كلايتون يفعل في مؤتمرات ملوك ورؤساء التجزئة[156]، ورغم معاهدات الامتيازات الأجنبية وعملية الإشراف المالي على بعض موارد الدولة بعد إفلاسها فلم يصل الاستخذاء إلى ما وصلت إليه دولة التجزئة في عزها ومجدها، وقد تنبه مؤرخ كبير هو عبد الرحمن الرافعي إلى الفارق بين حدود الهيمنة الأجنبية في الدولة العثمانية واتساعها في الولاية المصرية المستقلة، وذلك بسبب النزعة الأوروبية التي اتصف بها الخديو إسماعيل ورئيس وزرائه نوبار وتعلقهما بمساعدة أوروبا، عبر سفرائها، ضد الخلافة العثمانية[157]، ويمكننا أن نضع كل ما سبق من انبهار زعماء التجزئة بالغرب وتبعيتهم له مقابل ما أشار إليه المؤرخ مايكل أورين من أن السلطان عبد الحميد “كان يكره الغربيين ويعاديهم”[158]، والدلائل هي موضوع هذه الدراسة كلها.

للكاتب : محمد شعبان صوان

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الثاني

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية ، الجزء الثاني



السلطان عبد الحميد والقوميات المختلفة

أما ما قدمه السلطان لدعم دعوته بين قوميات مختلفة من المسلمين، فهو لم يكتف بمطالبتهم بالالتفاف حول الخلافة بل قام بجهود أوجدت أرضية مادية صالحة لانتشار فكرته كما سيأتي ، وعلى الصعيد السياسي قاومت الخلافة في زمن السلطان مشاريع التفتيت الغربية ، بفكرته الإسلامية التي استهدفت التصدي للعدوان الغربي على المسلمين ولهذا أصبحت غولاً مرعباً لأوروبا بتعبير بعض المؤرخين[60]، ولم ينكر حتى الزعيم الشيوعي ومؤسس الاتحاد السوفييتي فلاديمير لينين الطابع التحرري المضاد للإمبريالية الغربية في فكرة الجامعة الإسلامية التي تحاول”توحيد الحركة التحررية ضد الإمبريالية الأوروبية والأمريكية بتثبيت مواقع الخانات والإقطاعيين والشيوخ الدينيين ومن شابههم”[61]، وقد نتج عن تبني هذه الفكرة أن ظلت الهوية الجامعة هي التي تلم شعث عناصر الدولة المختلفة ولم تظهر الانقسامات القومية إلا بعد خلع السلطان ومجيء القوميين الاتحاديين إلى الحكم 1908-1909، وقد دعم السلطان هذه الفكرة بمشاريع حيوية كسكة حديد الحجاز التي بنيت بأموال المسلمين دون اللجوء إلى الديون الأجنبية وعدّتها بريطانيا مناهضة لمصالحها فعملت على تعطيلها ثم تدميرها فيما بعد ومازلنا عاجزين عن إعادة تشغيلها كما كانت، وبث الدعاة والمبعوثين والمطبوعات في ديار المسلمين لتشجيعهم على الالتفاف حول الخلافة، وقاوم مشاريع الاستيطان الغربية إضافة للاستيطان الصهيوني الذي وعد بتسوية ديون الدولة وهو عرض شديد الإغراء لدولة غارقة في الديون، ورفضت الدولة إلى جانبه مشاريع استيطان فرنسية وبريطانية وأمريكية بل حتى من ألمانيا حليفة العثمانيين التي لم تتمكن من تنفيذ استيطانها لأن الدولة العثمانية فضلت أن توقف الألمان “عند حدهم” وإفهامهم أن عليهم العدول عن فكرة إنشاء مستعمرات في بقاع شتى من الأرض والاكتفاء بمد نفوذهم إلى خليج إيران[62]لكي تظل الأراضي العثمانية الفارغة مخزوناً للمسلمين المضطهدين في أوروبا وروسيا كالشركس والشيشان والبشناق ومسلمي اليونان وألبانيا وبلغاريا، وظلت الخلافة لا تعترف بالتغيرات السياسية التي صنعها الاحتلال الأوروبي حتى آخر أيامها، ورغم رمزية هذا الإنجاز في مواجهة الآلة العسكرية الاستعمارية فإن الدول الغربية أصرت على انتزاع تخلي تركيا الكمالية عن السيادة العثمانية على ما عدا الأناضول في اتفاقية لوزان (1923) وذلك ليصفو لها جو احتلال هذه البلاد العربية قانونياً[63]، وهو ما حققه لها كمال أتاتورك بكل سهولة واشترى به استقلالاً موهوماً لتركيا ليربطها حقيقة بذيل أوروبا وهو وضع رفضته الدولة العثمانية في أشد ساعات تراجعها وقامت في النهاية بدخول الحرب الكبرى الأولى للوقوف ثانية على مستوى بقية الدول الكبرى، وقد كشف الأستاذ أحمد الشقيري رحمه الله عن بطلان التخلي التركي عن الأملاك العثمانية للدول الاستعمارية لأن الجمهورية التركية كيان مختلف عن الدولة العثمانية ولا تؤلف إلا جزءاً منها ولا يحق لها التصرف في كل أملاكها أوالحلول محلها[64].
أولا:السلطان عبد الحميد والأكراد
كانت بلاد الأكراد في بداية عهد السلطان تموج وتغلي بالثورة على الحكم العثماني، كثورة الشيخ عبيد الله سنة 1879م وثورته الكبرى في السنة التالية التي كان ينوي بها الانفصال عن الدولة وطلب دعم بريطانيا والدول الكبرى لذلك، إلا أن معارضة الزعامات الكردية لهذا المشروع وسياسة اللين التي اتبعتها الدولة تجاهه بالإضافة إلى قيام السلطان بتأسيس “الأفواج الحميدية” من الأكراد سنة 1890م لحمايتهم من الاعتداءات الأرمنية ومعارضته الشديدة لتأسيس دولة أرمنية تهيمن عليها بريطانيا في شرق الأناضول رغم الجهود المتواصلة التي بذلها الإنجليز في هذا المضمار بعد مؤتمر برلين (1878) لفرض إنشاء محمية أرمنية في الدولة العثمانية لتكون مركزاً للنفوذ البريطاني الذي حاول مع أوروبا وروسيا الانتقام من العثمانيين باستخدام بعض الأرمن أدوات لمشروع الهيمنة الغربية والروسية ثم تخلى عنهم بعد أن بذر الخلاف الدموي بينهم وبين المسلمين وقطع حياة طويلة مستقرة استمرت لقرون بين الطرفين، كل ذلك أدى إلى استجابة الأكراد لوفود العلماء الذين أرسلهم السلطان وحدوث تحول جذري في مشاعرهم تجاه الدولة وقبولهم بالتالي لسلطتها، وبذلك “غابت عن ساحة كردستان العثمانية أية ثورة كردية ذات أثر” كما يقول الدكتور عبد الرءوف سنو[65] ، وقد ظلت ذكرى السلطان حية حتى بعد عزله عن السلطة ثم بعد وفاته وذلك حين أعلن الشيخ سعيد ثورته في كردستان على الحكم الكمالي سنة 1925 منصباً أحد أبناء السلطان عبد الحميد ملكاً على الأكراد[66] وهو مما يلفت النظر في ضوء التوتر القومي الذي أوجده الحكم الجمهوري في الأناضول ومما يلقي ضوءاً على طريقة حل المشكلة التي ما زالت قائمة إلى اليوم في تركيا المعاصرة.
وليس من الصحيح أن الجامعة الإسلامية هي التي حرمت الأكراد من قيام دولة خاصة بهم كما تذهب لهذا بعض الآراء[67]، ذلك أن الدولة العثمانية كانت دولة لكل المسلمين ولا يصح أن توصف حتى بأنها دولة تركية، فلم يكن في عهدها دولة لأية قومية من المسلمين وكانت هي دولة جامعة لهم، فلما أسقطت وقضي عليها كان الاستعمار الغربي الذي سيطر على بلادنا هو الذي قسمها وفقا لمصالحه وتوازن القوى بين أركانه دون أي اهتمام لرغبات السكان الأصليين، فالعرب مثلا طالبوا بدولة واحدة فمنحهم الكرم الاستعماري أكثر من عشرين دولة، في الوقت الذي قمع الحكم الكمالي-الذي قطع كل صلاته بالجامعة الإسلامية وتحالف مع الغرب- الأكراد قمعاً دموياً كما قمع الغرب رغبتهم في الدولة وقسم بلادهم بين الدول العربية وتركيا وإيران ، بل إن الأرمن الذين طالما أثارهم الغرب للمتاجرة بهم وبقضيتهم تخلى عنهم في نهاية المطاف ولم يمنحهم الدولة حتى قام البلاشفة أعداء الأوروبيين والأمريكيين بمنحهم دولة خاصة ضمن الاتحاد السوفييتي، والخلاصة أن المصالح الاستعمارية هي التي رسمت ملامح المنطقة في النهاية وليس سياسة الجامعة الإسلامية .
ثانيا:السلطان عبد الحميد والقوميات التي ابتليت بالاحتلال الأجنبي
كان السلطان يفتح أراضي بلاده للمسلمين الذين احتلت بلادهم وكانت فيما سبق تابعة للدولة العثمانية، ومن أمثلة ذلك إسكانه لكثير من مسلمي القوقاز في شرق الأردن بعد اجتياح الروس لبلادهم في حرب سنة 1877م، كما أسكن مسلمي كريت بعد طردهم منها بعد الحرب مع اليونان سنة 1897م في أراضي الدولة وخاصة في حي المهاجرين في دمشق، بل إن العاصمة استانبول نفسها عجت بأكثر من مئتي ألف من المهاجرين الهاربين من البلقان أثناء الحرب مع روسيا وقدمت الدولة لهم كثيرا من المساعدات والتسهيلات رغم ظروفها الاقتصادية الصعبة آنذاك.
ويقول المؤرخون إن بداية الهجرة من القوقاز والبلقان كانت قبل الحرب العثمانية الروسية، وربما عاد التاريخ بها إلى خمسينيات القرن التاسع عشر، ولكن النزوح وصل قمته بعد هذه الحرب فوزعت الدولة اللاجئين على أنحاء مختلفة منها أرجاء الأناضول و بلاد الشام، ويقول المؤرخ نورمان لويس إن عملية اللجوء استمرت بعد ذلك لأن أهل القوقاز رفضوا التجنيد في الجيش الروسي ودفع الضرائب للحكومة وأنفوا من الحكم القيصري، وقد رحبت الدولة العثمانية بهم بصفتهم جنوداً أو مستوطنين جدداً “وقد اهتم السلطان عبد الحميد شخصيا بأمرهم وأعطيت التعليمات لموظفي الحكومة في استانبول والولايات، وبخاصة بعد سنة1887، لعمل كل ما يمكن للتقليل من المشاكل المصاحبة لتحرك المهاجرين واستقرارهم”، ووزعت عليهم الأموال ومساعدات أخرى بالإضافة إلى الإعفاء من الضرائب والتجنيد بالإضافة إلى منحهم أراض للاستقرار والزراعة فكانوا أول من أعاد الحياة المستقرة لنواح في شرق الأردن كعمّان مثلاً واستفادت الدولة العثمانية منهم في عملية إنشاء سكة حديد الحجاز وقامت مستوطناتهم بحراسة هذا الخط الذي أنعش الحياة على جانبيه، وقد لاحظت الدبلوماسية البريطانية غيرترود بيل سنة 1902 أن محور سلطة السلطان في منطقة شرق الأردن موجود في النمو السريع والازدهار غير المسبوق للمستوطنات الشركسية التي تلقت العناية والأراضي من الحكومة فجعلت البرية تزهر كالورد أينما حلت، وأنه قبل عشرين سنة لم تكن هذه المستوطنات قد وجدت بعد وقبل خمسة عشر عاماً كانت منازلها صغيرة والآن (1902) هي قرى كبيرة ومزدهرة[68] .
ومع أن صداماً وقع بين المستوطنين الجدد وعشائر البلاد الأصلية تذكر بتجربة الاستيطان الأمريكي في مواجهة عشائر السكان الأصليين في نفس الفترة في سهول أمريكا، فإن نتائج التجربتين اختلفت جذرياً، ففي التجربة العثمانية أدت المواجهة بين المستوطن والبدوي إلى أن يتغلب البدوي على خوفه من حياة الاستقرار بشكل تدريجي رغم الصدام الأولي ويكون معه فسحة من الوقت ليقوم بذلك فتستوعبه الحياة الجديدة[69] التي لا تهدف إلى القضاء عليه وإفنائه وسلب ممتلكاته بل إلى تحويله إلى حياة منتجة، أما في الولايات المتحدة فقد أدت المواجهة إلى تدمير العشائر الهندية وإفنائها أعداد كبيرة منها وسلب ممتلكاتها والتضييق عليها وحصرها في أراض قاحلة لا تصلح للزراعة وإهمال إرشادها وعدم تزويدها بمتطلبات حياة الاستقرار مما يفشل التجربة برمتها حتى لأخلص الراغبين فيها وذلك لأن الهدف من المواجهة كان منذ البداية هو الحصول على أرض الهنود كما صرح بذلك جورج واشنطن أول رئيس أمريكي، وليس جلب الحضارة لهم.
كما قامت الدولة العثمانية بالقضاء على ظاهرة الرق المستخدم في الزراعة والذي كان منتشراً بين المهاجرين القوقازيين ويعود بجذوره إلى عادات اجتماعية وليس إلى الشريعة الإسلامية، ورغم مقاومة ملاك العبيد إجراءات الدولة مقاومة وصلت درجة العنف فإن هذه الإجراءات تمكنت من القضاء بشكل تدريجي على الرق وفقاً لقرار المكاتبة الذي صدر سنة 1867لمساعدة العبيد على نيل حريتهم بتقديم تعويضات لملاكهم من أراضي الدولة التي يمكنهم الاستمرار في العمل فيها كالفلاحين الأحرار وبذلك يرضى الملاك والعبيد أيضاً وتعمر الأرض، وقد حرصت الدولة العثمانية على وضع حد للتدخل البريطاني في هذا الشأن وإبقاء هذه الإجراءات بعيداً عن متابعة الدبلوماسيين البريطانيين[70] المتطفلين الذين كانوا يتخذون من الرق ذريعة لبسط هيمنتهم الامبراطورية على الآخرين والتدخل في شئونهم بل واستعمار بلادهم لنشر الحرية(!)[71]
ثالثا:السلطان عبد الحميد والعرب
للحديث عن مكانة العرب في الدولة العثمانية يجب أن نتذكر أن عصرها تميز بغلبة الهوية الدينية على الهوية القومية ، فلم يكن هناك فاصل بين المسلم العربي والمسلم التركي، ومع ذلك فإن من يتحدثون العربية في الدولة كانوا يوصفون بأنهم”قوم نجيب” لصلتهم بلغة القرآن، وكانوا يحظون بنظرة إكرام لم تحصل عليها بقية الولايات العثمانية، وفي هذا يقول المؤرخ زين نور الدين زين:”ليس صواباً القول إن العرب المسلمين ظلوا طوال أربعمائة سنة أمة مستضعفة تحت نير الأتراك، أو إن البلدان العربية نهبت خيراتها وخيم عليها الفقر من جراء الاحتلال التركي، كذلك ليس صواباً القول إن العرب المسلمين لم يكن يسمح لهم أن يتقلدوا سلاحاً أو ينضووا تحت العلم العثماني للخدمة العسكرية…وقد شغل عدد كبير من العرب وظائف عالية حساسة في الامبراطورية العثمانية”وفي هذا المجال يشهد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري السعيد الذي عاصر العهد العثماني قائلاً:”كان العرب كمسلمين يعتبرون شركاء للأتراك، كانوا يشتركون معهم في الحقوق والواجبات بدون تمييز عنصري، وكانت الوظائف العليا في الدولة ، سواء العسكرية أم المدنية، مفتوحة للعرب، وقد كان للعرب ممثلون في مجلسي البرلمان العثماني، أصبح كثير منهم رؤساء وزارة، ومنهم من كان شيخ الإسلام، ومن أصبح قائداً عسكرياً أو والياً، فكنت ترى الموظفين العرب في جميع دوائر الدولة”[72]، وفي رد على من يصور العلاقة العربية التركية بالتوتر في ظل الدولة العثمانية، بل يتخيل البعض نضالاً عربياً مستمراً، لم ينقطع، مدة قرون ضد “الاستعمار العثماني”، يقول زين في نقض ذلك:”وقد وجد العرب أنفسهم جزءاً من أعظم وأقوى امبراطورية إسلامية عرفت منذ ظهور الإسلام…(و)إن كون الامبراطورية العثمانية امبراطورية “تركية” لم يكن في نظر العرب المسلمين حتى مطلع القرن العشرين…أمراً ذا بال، مادامت هذه الامبراطورية التي يعيشون في كنفها امبراطورية إسلامية”[73]، “إن العربي المسلم عندما كان يتكلم عن الامبراطورية العثمانية كان يستطيع أن يقول إنها امبراطوريته، لأنها كانت امبراطورية إسلامية، والواقع أن المسلم لم يكن يشعر أنه غريب في وطن غريب عنه”[74]، وأما فكرة الاستقلال التي صورها البعض هدفاً لنضال القرون الطويلة فلم يشترك فيها غالبية العرب المسلمين إلى زمن السلطان عبد الحميد وكان الانفصال فكرة حديثة لأقلية من المثقفين”لم تكن تمثل إطلاقاً رأي الغالبية الساحقة من العرب المسلمين الذين كانوا ينظرون إلى الامبراطورية العثمانية على أنها امبراطورية إسلامية”[75]، وحتى بعد اندلاع الحرب الكبرى (1914) ظلت “غالبية العرب الساحقة على ولائها للخلافة وللسلطان العثماني”[76] ، ونجد في آثار الأستاذ أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي مثّل دولاً عربية في الهيئات والمحافل الدولية تحسراً كبيراً على العهد العثماني ومن ذلك قوله: “كان العرب هم العنصر النجيب كما كان يسميهم الأتراك، وفي مدينتي عكا كان الأطفال الأتراك ..يعرفون أنفسهم بأنهم عثمانيون، ولم أسمع أحدا يقول إنه تركي”[77]، وكانت القاهرة هي المدينة الثانية في الدولة، فكانت تلي العاصمة استانبول مباشرة في الأهمية تليها مدينة حلب العربية أيضا[78]، ، فهل حلمنا يوماً أن تكون القاهرة هي المدينة التي تلي لندن في الأهمية في الامبراطورية الاستعمارية البريطانية مثلاً؟أو أن تكون حلب بعد باريس في امبراطورية فرنسا؟وهل كان نصيبنا من الغرب غير الاستغلال في حين شاركنا العثمانيين في السراء والضراء بحكم أخوة الدين والحتمية الجغرافية، وكما مات العرب في حروب الدولة فقد مات الأتراك دفاعا عن العرب، ومن أمثلة ذلك استشهاد 10 آلاف تركي في معركة خاسرة عندما هجمت فرنسا على الجزائر سنة 1830[79]، وقد رفض السلطان عبد الحميد بيع فلسطين لهرتزل تقديراً لتضحيات جنوده السوريين والفلسطينيين في معارك الدفاع عن دولتهم جميعا، فهل نرى مثل هذا الاهتمام والتقدير لتضحيات الرعية عند زعامات التجزئة؟
وقد احتل العرب مكانة مميزة في عهد السلطان عبد الحميد، فهم أهل الرسالة وأصحاب لغة القرآن، كما أنهم أحد عنصري الدولة الأساسيين، ولهذا أولاهم السلطان اهتمامه ومنحهم ثقته، وتجلى ذلك في عدة مظاهر منها:
1. الإكثار منهم في الوظائف الرسمية: لم يكتف السلطان بتولية بعضهم بل عمد إلى الإكثار منهم وأحاط نفسه بهم، وفي ذلك يقول المؤرخ الأستاذ محمد جميل بيهم إن السلطان عبد الحميد لما استقر رأيه على الاستعانة بالخلافة للحصول على القوة المنشودة للحفاظ على السلطنة في مواجهة المشاكل والتحديات دعا إلى الجامعة الإسلامية “وعمل على أن تكون العصبية العربية سياجا لسلطنته، فقرب إليه الدينيين والمدنيين من عرب المشرق والمغرب وأسند إليهم كبار المناصب في العاصمة كما بذل لهم العطايا في الولايات”[80]، حتى قيل: إنه إذا كان الباب العالي والوزارة في يد الأتراك فإن القصر أصبح بيد العرب، وهو قول يراه مؤلف كتاب يقظة العرب جورج أنطونيوس قولاً محقاً رغم أنه لا يكن المودة للدولة العثمانية ولا للسلطان عبد الحميد، ومن أشهر رجال العرب في ذلك العهد أحمد عزت باشا العابد الكاتب الثاني للسلطان، وأبو الهدى الصيادي الرفاعي، وشفيق بك المؤيد، وشفيق بك الكوراني، وشكري باشا الأيوبي، وولدا الأمير عبد القادر الجزائري، محمد باشا ومحي الدين باشا، بالإضافة إلى آخرين تطول القائمة بذكرهم، كما اتخذ السلطان من علماء العرب وصوفييهم دعاة للجامعة الإسلامية مثل الشيخ محمد ظافر والشيخ أحمد القيصرلي إضافة لأبي الهدى صاحب ثقته سابق الذكر ولم يقتصر اهتمامه على المسلمين من العرب بل تعداه إلى المسيحيين منهم، وقد بلغ بعضهم رتبة الوزارة كسليم باشا ملحمة الماروني اللبناني الذي صار وزيرا للتعدين والغابات والزراعة، كما وصل آخرون إلى رتب عالية في الدولة ويمكن مراجعة أسماء بعضهم في كتاب السلطان عبد الحميد الثاني بين الإنصاف والجحود لمحمد مصطفى الهلالي[81] ، ويشهد لحال المسيحيين العرب قول بطريرك الموارنة إلياس الحويك بعد خلع السلطان سنة 1909 : “لقد عاش لبنان، وعاشت طائفتنا المارونية بألف خير وطمأنينة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، ولا نعرف ماذا تخبىء لنا الأيام من بعده”[82] ، ولا يظن أن البطريرك كان ينافق سلطاناً معزولاً.
2. مشاريع الإعمار في البلاد العربية: حصلت بلاد العرب على نصيب كبير من الجهود العمرانية التي قام بها السلطان، ويقول فيليب مانسل في مقدمته لكتاب بيروت والسلطان إن: “عبد الحميد عمد إلى توفير المال وتركيز الاهتمام على الأقاليم العربية بحيث فضلها على العديد من المناطق التركية”[83]، فبالإضافة إلى المدارس التي نشرها في كافة أرجاء السلطنة كما مر، قام بعمليات نهوض عمراني طال مختلف المناطق العربية مثل مدن الحجاز التي تم فيها مشاريع تجديد وإصلاح وترميم وتوسعة للحرمين الشريفين شملت الكعبة والمطاف ومقام إبراهيم والمسعى والمسجد النبوي ومساجد المدينة الأخرى، كما شملت بناء مستشفى وصيدلية في منى وتسوية الطرق المؤدية إلى جبل ثور، وإنشاء مطبعة في مكة لطباعة الكتب بكافة لغات المسلمين، وربط مكة بجدة والطائف ومعان بخطوط البرق، وتزويد مكة وجدة بمياه العيون النظيفة، وقد استمر العمل لمدة ثلاث سنوات ونصف بثلاثة آلاف وخمسمائة عامل في جدة لتزويدها بمياه عين الوزيرية وتخليصها من الشرب من مياه الحفر المتعفنة ولا ننسى في هذا المجال مشروع سكة حديد الحجاز الذي هدف إلى ربط عاصمة الخلافة بالمدن الحجازية وتيسير الحج على المسلمين، واستمر العمل فيه من 1900م إلى 1908م حتى بلغ المدينة المنورة وبلغ إجمالي كلفته أكثر من أربعة ملايين ليرة جمعت بحماس شديد من المسلمين في كافة أنحاء العالم، وكان يراد لهذا الخط الوصول إلى اليمن مرورا بمكة المكرمة، إلا أن معارضة الشريف حسين وعزل السلطان عبد الحميد حالا دون إتمامه[84]؛ وقبل بدء العمل في سكة حديد الحجاز، التي وصلت دمشق بالمدينة المنورة، تم تدشين خط سكة حديد بين القدس ويافا في سنة 1892، ثم بين بيروت ودمشق سنة 1895، وبين دمشق وحلب سنة 1903، ونتج عن ذلك ثم عن مد فروع لخط الحجاز في أنحاء الشام وإنشاء خطوط البرق والبريد ازدهار المدن الشامية، ففي مدن فلسطينية مثل القدس وبيت لحم ويافا ازدهرت السياحة وتحسنت الأوضاع الاقتصادية ببناء الفنادق وانتشار صناعات التحف وأعمال التشييد والبناء التي وسعت مدينة القدس خارج حدود الأسوار وأوجدت فرص عمل للأهالي من المدينة والريف على حد سواء، كما أدى إنشاء خط بين درعا وحيفا متفرع من خط الحجاز في 1905 إلى ازدهار الأخيرة التي أصبح ميناؤها مركزاً لتصدير المحاصيل الزراعية إلى أوروبا، وازدهرت محطات سكة الحجاز على طول الخط مثل درعا وعمّان ومعان وتبوك ، وفي سبيل مد سلطة الدولة ومقاومة المحاولات البريطانية لمد نفوذ الاحتلال من مصر إلى الشام قام السلطان بفصل قضاء النقب عن غزة وجعل مركزه مدينة جديدة أنشأها في بئر السبع سنة 1900 والتي أخذت تتطور منذ ذلك الوقت ثم ازدادت أهميتها بعد وصول خط الحجاز إليها، وأما بيروت “فتحولت إلى واجهة عربية للنظر في الإمبراطورية العثمانية، وقد أطلق
عليها الإمبراطور غليوم الثاني إسم: الجوهرة في تاج السلطان، وفي سنة 1888 ارتقت إلى مرتبة عاصمة للولاية وتحولت من مدينة تنتمي إلى القرون الوسطى إلى عاصمة إقليمية عصرية، ولأول مرة منذ الإمبراطورية الرومانية أصبحت المرفأ الرئيس على شرق البحر الأبيض المتوسط وارتفع عدد سكانها من حوالي 80 ألف نسمة سنة 1876 إلى نحو 150 ألف نسمة عام 1908، ومع إنشاء الكليات الأمريكية والفرنسية إلى جانب العثمانية فيها، أصبحت بيروت – كما أعلن عن ذلك إسماعيل كمال بك سنة 1892- ينبوعا للثروة والتقدم والتعليم العصري”[85] كما قال المؤرخ مانسل آنف الذكر في مقدمة كتاب بيروت والسلطان الذي صدر سنة 2002 بالتعاون مع بلدية بيروت لتوثيق المشاريع العسكرية والدينية والتعليمية والصحية والترفيهية ومشاريع البنية التحتية التي تمت أثناء العهد الحميدي في المدينة ونقلتها تلك النقلة الواسعة. وعند الحديث عن إعمار البلاد العربية يمكننا ذكر ما فعله السلطان بأملاكه الخاصة فيها، إذ يذكر الباحث شارل عيساوي نقلا عن خطط الشام لمحمد كرد علي: أن السلطان كان يملك مليون هكتار فيها نحو120 قرية ومزرعة شرقي حمص وسلمية، ونصف مليون هكتار في أنحاء حلب فيه أكثر من 500 قرية ومزرعة، وسبع قرى في حوران إضافة إلى بيسان وبعض قراها ، المهم أنه “كان يوطد الأمن في هذه المملكة الخاصة الواسعة ويعفي الزراع المستأجرين من الجندية ويحميهم من تعدي أرباب الوجاهة ويسلفهم المال بلا ربا حتى عمرت تلك الأنحاء بعد أن كانت منازل للعربان يعيثون فيها فساداً”[86] ، وعند حديثه عن الأراضي السنية في العراق يذكر عيساوي أنها كانت ملكاً للسلطان عبد الحميد “بوسائل مشكوك فيها أحياناً، وعلى كل، ما كاد يحصل على هذه الأراضي حتى تولى رعايتها جيداً، وذكراه موضع تقدير كبير في العراق كنموذج للمالك الذي كان أباً لقومه”[87] ، ويذكر الدكتور زكريا قورشون إجراءات مماثلة إتخذها السلطان نحو أراض في الإحساء، وذلك بتسجيل مساحات من الأراضي لخزينة المالية مقابل مبالغ معينة ثم نقلها للخزانة الخاصة، ويلمح للانتقادات التي وجهت لهذا الأسلوب، ويعقب قائلاً: “ولكن يبدو أن مراقبة هذه الأراضي كانت عملية غاية في الصعوبة بسبب بعدها، ولذلك اتبع فيها الأسلوب المذكور وأمكن إعمارها لسنوات طويلة”[88]. وهناك مشروع كبير لو تحقق فإنه كان سيعود على الدولة العثمانية وولاياتها العربية بفوائد جمة، وهو بقية مشروع سكة حديد برلين ـ بغداد الذي عرضه الإمبراطور الألماني غليوم الثاني على السلطان عبد الحميد أثناء الزيارة الثانية التي قام بها الإمبراطور للدولة سنة 1898م، وتحمس السلطان للمشروع الذي كان قد أنجز الجزء الأكبر منه وربط قسمه الأوروبي إستانبول بأوروبا ثم امتد في قسمه الآسيوي من إستانبول إلى أنقرة فقونية ولم يتبق إلا مده إلى نهايته في الكويت على ساحل الخليج (خليج البصرة وفقا للتسمية العثمانية)، وقد رأى السلطان في هذا المشروع فرصة للإفادة من التقدم العلمي الألماني ونشر الازدهار على طول الطريق الذي ستمر به سكة الحديد بالإضافة إلى مواجهة النفوذ الأجنبي في شرق الدولة ولكن بريطانيا وفرنسا وروسيا وقفت متحدة في مواجهة هذا المشروع وأثارت المشاكل ضده ووضعت العراقيل السياسية والمالية في طريق تحقيقه خشية على مصالحها الاستعمارية، وكانت بريطانيا هي زعيمة المعارضة، وتمكن هذا الحلف من تعطيل المشروع أولاً ثم وقفه نهائياً بقيام الحرب سنة 1914م.
وهناك فرق كبير بين مشاريع التنمية العثمانية (مثل سكة حديد الحجاز) ومشاريع التغريب الاستعمارية (مثل قناة السويس) : الدولة العثمانية قدمت أبناءها الأتراك لإنشاء مشروع حيوي في أرض العرب لإفادة كل المسلمين حتى قال محمد كرد علي المعارض لسياسات السلطان عبد الحميد صاحب المشروع:”إن هذا الخط مدين بإنشائه للجنود العثمانية التي بذلت في سبيله الجهود العظيمة بل النفوس الكريمة”[89]، الغرب استعمل مليوناً من أبناء العرب لإنشاء مشروع لأجل مواصلاته الإمبراطورية خلال بلادهم وليس في أراضيه، فمات منهم 125 ألفاً في سبيل المصالح الاستعمارية التي أضرت بالعرب أنفسهم، دمر بعض العرب بمساعدة الغرب المشروع العثماني (1916) المفيد لنا وقاتلوا الدولة العثمانية وانفصلوا عنها ولم يتم إحياء السكة إلى اليوم، استولت بريطانيا على القناة بعد إفلاس الخديو المبهور بأوروبا واحتلت واستنزفت مصر سبعين عاماً ثم شنت عليها حرباً ضروساً للاحتفاظ بالقناة (1956) والتي مازالت تعمل في خدمة المواصلات النفطية للدول الكبرى وتمر سفنهم بها كلما أرادوا العدوان على بلد من بلادنا ولا نستطيع الاعتراض، أي أننا هدمنا هدية قدمت لفائدتنا وحرسنا سلاحاً استخدم لطعن ظهورنا بدلاً من إفادتنا، ولا ننسى أيضاً أن الغرب أقام الكيان الصهيوني في البداية لأسباب تهمه جداً كان منها حراسة قناة السويس[90]، وكان كل ما سببه الصهاينة من دمار في بلادنا نتيجة لهذه “التنمية” الاستعمارية.
3. مقاومة المشاريع الإستعمارية في البلاد العربية: تميزت فترة حكم السلطان عبد الحميد بشراسة الهجمة الإستعمارية الأوروبية على العالم غير الغربي كله، وقد نال الولايات العربية في الدولة العثمانية نصيب كبير من هذا الهجوم، فقد احتلت فرنسا تونس سنة 1881م، وجيبوتي سنة 1888م، واحتلت بريطانيا مصر والسودان سنة 1882م، وفرضت الحماية على الكويت سنة 1899م، وحاولت السيطرة على جنوب البحر الأحمر بإثارة المتاعب للعثمانيين في اليمن سنة 1905م، ولما فشلت حاولت السيطرة على شماله بمد نفوذها من مصر إلى العقبة وطابا سنة 1906م، وشرعت إيطاليا بمساندة بريطانية في احتلال اريتريا وجنوب الصومال في 1884م – 1885م وأتمت السيطرة على الأولى في سنة 1896م وعلى الثانية في 1910م وإذا كان السلطان قد أجبر على الاعتراف باقتطاع أجزاء من دولته في أوروبا في معاهدة برلين سنة 1878م بعد هزيمة الدولة أمام روسيا، فإنه تمسك بولاياته العربية ولم يستسلم أمام أية محاولة لاحتلالها، وحاول بكل وسيلة يملكها- سياسية غالباً وعسكرية أحياناً- الدفاع عنها، فنجح حيناً وفشل أحياناً أخرى ولكنه لم يقدم صك اعتراف بالتنازل عن أي منها واحتاج الأمر إسقاط الدولة ومجيء الحكم الكمالي ليتم تسليم البلاد العربية بشكل رسمي ونهائي للاستعمار الأوروبي في معاهدة لوزان سنة 1923م.
ففي المسألة التونسية حاول السلطان في بداية الاحتلال إثارة الخلافات بين دول أوروبا ليحقق جلاء الفرنسيين، ورغم فشله في الحصول على نتيجة مهمة، ورغم محاولات فرنسا المتواصلة للحصول على أي اعتراف منه أو تصريح رسمي مباشر أو غير مباشر بقبوله احتلالها، فإنه لم يُقدم على تقديم هذا التنازل مطلقا وظلت النشرة العثمانية الرسمية السنوية “السالنامة” تعد تونس ولاية تابعة للدولة وواقعة تحت الاحتلال.
وفي مسألة مصر والسودان لم تقر الدولة بالاحتلال ولم تتورط في تأييد المشاريع البريطانية التي حاولت جر السلطان لإرسال جيش عثماني لإخماد الثورة العرابية، ورغم اضطراب سياسته في بداية الأمر؛ إذ منح أحمد عرابي الباشوية وأيده ثم أعلن عصيانه في خطوة اختلف الباحثون في تقويمها، فإن هذا التردد كان نابعاً من محاولة درء الاحتلال بأية صورة وفي نفس الوقت رفض إرسال جيشه بالاشتراك مع الجيش البريطاني لإخماد الثورة، وذلك على عكس دولة التجزئة التي كثيراً ما رافقت المستعمرين بل حرضتهم ضد إخوتها وجيرانها وقاتلت إلى جانب المحتلين أحياناً وبالنيابة عنهم أحياناً أخرى وموّلت حروبهم على الأمة وسهلت عبور جيوشهم، ولما وقع الاحتلال لم يستسلم السلطان له، ولهذا ظلت بريطانيا تدّعي من سنة 1882م إلى سنة 1914م أن احتلالها لمصر مؤقت ولم تلغ السيادة العثمانية عليها وأصدرت عشرات الوعود بالجلاء عنها ولكنها لم تف بأي منها، وقد حاول السلطان بكل جهده تعكير صفو الأجواء على الاحتلال و”أنفق أموالا كثيرة لعمل دعاية مضادة في مصر وفي السودان لمنع النشاط الإنكليزي هناك…ولم يترك شيئا يستطيع استخدامه ضد بريطانيا العظمى إلا واستخدمه”[91] ، كما لجأ إلى مساندة القوى المناهضة للاحتلال وعلى رأسها الزعيم مصطفى كامل حيث استدعاه عدة مرات إلى عاصمة الخلافة وأنعم عليه بالألقاب والأوسمة في إشارة إلى دعمه السياسي له، وكان هذا الزعيم الوطني الكبير من القلائل الذين تفهموا السلطان في حياته ، وكان يراه “سيد الحكماء وقدوة الساسة” وأنه “أشد حنانا على مصر من أحب أبنائها وأصدقهم نحوها”[92]وهذه الشهادة من زعيم لا شك في إخلاصه ونزاهته ورجل دخل المعركة مع الاحتلال بكل أهوالها تؤكد لنا أن موقف السلطان الأخير من عرابي لم يكن يعني القبول بسياسة المحتل بل كان محاولة يائسة لدرء الاحتلال، وقد أنشأ السلطان مدينة بئر السبع في صحراء النقب بفلسطين لمواجهة المحاولات البريطانية للتمدد من مصر، ، كما يجمع المؤرخون على أن احتلال مصر قد غيّر مكانة بريطانيا في الدولة العثمانية عامة وعند السلطان عبد الحميد خاصة والذي أصابه هذا الاحتلال بألم حز في نفسه مدى الحياة وبات معادياً لبريطانيا وكارهاً للإنجليز بعنف كما يقول المؤرخ إرنست رامزور ومتوجساً منهم أكثر من توجسه من الروس أعدائه التقليديين[93]وأصبحت سياسته توصف بكونها Anti-Britishأي معادية لبريطانيا التي عزى إليها مشاكله السياسية مع الأقليات[94]، ولم يكن يفوت فرصة للعمل ضد مصالح بريطانيا كما يذكر ذلك المؤرخ جون هاسلب[95].
وأخمدت الدولة العصيان الذي أثاره الإنجليز في اليمن، وقاومت محاولتهم الاستيلاء على العقبة وطابا، فنجحت في الاحتفاظ بالأولى بالقوة، ودخلت معركة سياسية طويلة للاحتفاظ بالثانية ودرء الاحتلال عن سيناء دون نجاح في ذلك، والملاحظ أن غالبية المصريين بزعامة مصطفى كامل باشا وتياره الوطني وقفوا إلى جانب الدولة العثمانية وأيدوا مطالبها في طابا رغم الادعاءات البريطانية بالحفاظ على حقوق مصر وحدودها الشرقية[96]، لأن اولوية شعوبنا آنذاك كانت هي العمل على صد التدخلات الأجنبية، والحفاظ على الولاء لمركز الخلافة الإسلامية التي تعمل لصالح الأمة كلها، ولهذا لم يُخدع أهل مصر بتبجحات الاحتلال البريطاني الوطنية لأنهم عرفوا أنه يدافع عن مصالحه ومواصلاته (قناة السويس) وليس عن حقوقهم التي لم يتردد في انتهاكها عندما حل ببلادهم مستعمراً، وقد اختلف الحال زمن التجزئة عندما أصبح الاستعمار يفسد ما بين الإخوة والأشقاء والجيران باستخدام الحرص على الاستقلال والمصالح الوطنية التي كثيراً ما أدت إلى سفك الدماء ودمار البلاد والرجوع إلى حالة الاحتلال، ونظرة تاريخية سريعة على الحروب التي نشأت بتدخل الأجانب بين الدول العربية تكفي لبرهنة هذا الزعم.
أما في مسألة الكويت؛ فإن الدولة العثمانية لم تعترف بفرض الحماية البريطانية عندما علمت بأمر معاهدة 1899م التي عقدت سراً، وحاول السلطان ثني الشيخ مبارك الصباح عن ارتباطه بالإنجليز، واستعمل في سبيل ذلك مختلف وسائل الترغيب والترهيب، ولكن الشيخ كان مصمماً على الاستقلال عن العثمانيين والارتباط بالإنجليز، وتطورت علاقته ببريطانيا من عقد المعاهدة بالسر إلى طلب الحماية البريطانية الدائمة والسافرة على الكويت سنة 1901م، إلى استقبال حاكم الهند اللورد كيرزون سنة 1903م، إلى قبول وكيل سياسي بريطاني في الكويت سنة 1904م، إلى محاولة تغيير علم الكويت العثماني سنة 1905م، وأعطى بريطانيا مجموعة من الامتيازات لمنع وصول سكة حديد برلين – بغداد إلى الكويت-رغم الفوائد التي كانت الإمارة ستجنيها من بناء ميناء عالمي فيها-توجت باتفاق سري آخر عقد سنة1907م لتأكيد معاهدة 1899م ويعلق الأستاذ عبد العزيز الشناوي على علاقة مبارك بالدولة العثمانية وبريطانيا قائلاً: “ومن الصعب القول بأن الشيخ مبارك كان يدفعه شعور قومي بالاستقلال، لأنه حين جاهر برفضه السيادة العثمانية على الكويت، ارتمى في أحضان بريطانيا وعقد معها الاتفاقية المانعة سنة 1899م”[97] ؛ بل إن الباحثة الكويتية الدكتورة سلوى الغانم تروي في كتابها الصادر باللغة الإنجليزية “عهد مبارك الصباح” ؛ استناداً إلى وثائق بريطانية، أن مبارك ذهب إلى أبعد مما سبق حين حاول قبل وفاته سنة 1915م أن “يهب الكويت لبريطانيا” وذلك بتسليم جميع الموارد الكويتية للإنجليز لإدارتها بأنفسهم وخصم كلفة الإدارة لحسابهم وتسليم الباقي له، الأمر الذي أربك المسئولين البريطانيين أنفسهم ووصفته الباحثة المذكورة بأنه “من أغرب ما قدم لمسئول بريطاني خلال قرون من الانهماك البريطاني في الخليج”[98] ، ولم ينفذ الاقتراح نتيجة الرفض البريطاني الممزوج بالذهول (***)، ورغم فشل مشروع وصول سكة الحديد إلى الكويت، فإن السلطان رفض الإقرار بالوضع الذي أوجدته بريطانيا في الخليج وظل الأمر بين شد وجذب إلى قيام الحرب الكبرى سنة 1914م ولم يقر السلطان كذلك لفرنسا وبريطانيا وإيطاليا اقتسامهم أريتريا والصومال ولم يتم هذا التنازل إلا بعد انهيار الدولة العثمانية وتوقيع مصطفى كمال معاهدة لوزان مع المحتلين سنة 1923م[99].
4. موقفه من فلسطين والحركة الصهيونية: وقد تم بحث هذا الموضوع بالتفصيل في دراسة سابقة هي: آثار التغريب السياسي على المجتمع العثماني (الجزء الثالث)، ولكن لا بأس بتلخيص سريع هنا يتفق وسياق البحث مع بعض الإضافات:
كان اليهود التقليديون يعتقدون أن عودة ملكهم في فلسطين والذي وردت به النبوءات في الكتب المقدسة وبخاصة أسفار دانيال وأشعيا، سيتم بمعجزة إلهية على يد المسيح المنتظر، وأن الله وحده هو الذي يحدد وقت هذه العودة، وأي تدخل بشري في تحقيق ذلك كفر وهرطقة، أما الكنيستان الأرثوذكسية والكاثوليكية المسيحيتان فكانتا تفسران هذه النبوءات تفسيراً مجازياً، ولما قامت حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر وأخذت بالتفسير الحرفي للكتاب المقدس ضمن حملتها لجعل الصلة بين الفرد والدين خالية من تدخل رجال الدين، ظهرت إلى الوجود فكرة عودة اليهود الجسمانية إلى فلسطين بصفتها مقدمة لعودة المسيح وتحقيقا للنبوءات، ثم اتخذت طابعاً علمانياً بوجوب التدخل البشري لتسريع المشيئة الإلهية بذلك.
وظلت هذه الفكرة في حيز الأمنيات والأحلام إلى أن تلقفها الساسة الاستعماريون الأوروبيون بشكل جاد في أواخر القرن الثامن عشر لأنهم رأوا في دولة يهودية في فلسطين وسيلة نافعة لخدمة مصالح دولهم، وكان أول من حاول تنفيذها نابليون بونابرت الذي اشتهر بتلاعبه بالورقة الدينية في دعايته السياسية وذلك ليقطع طريق الهند على الإمبراطورية البريطانية عدوته الأولى، ولكنه لم ينجح في مشروعه بعد هزيمة حملته على مصر والشام، ولما نجح محمد علي باشا في إقامة دولة قوية في منطقة تصر أوروبا على إبقائها ضعيفة ومجزأة، بعث هذا الأمر الفكرة الصهيونية في عقول ساسة بريطانيا وشرعوا بالتحضير لإنشاء الكيان اليهودي ليكون “حائلا بين محمد علي وخلفائه وبين تحقيق خطته الشريرة في المستقبل”، وتزامن هذا مع تفاقم المسألة اليهودية في أوروبا نتيجة تعثر التحديث في دول شرقها وفقدان اليهود دورهم الوظيفي التقليدي في تلك المجتمعات وزيادة أعدادهم وتدفقهم على دول الغرب الأوروبي وأمريكا التي رأت فيهم تهديدا لاستقرارها فأرادت التخلص من هذه الجماعة الوظيفية التي أصبحت بلا وظيفة فتكونت بذلك المسألة اليهودية كما شرح ذلك بالتفصيل الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في مؤلفاته العديدة.
ومع زيادة اضطهاد اليهود في شرق أوروبا بدأ التفكير بين نخبهم في ضرورة إيجاد بقعة من الأرض يلجئون إليها، وهنا ظهرت الفكرة الصهيونية اليهودية بعد أكثر من ثلاثة قرون من ظهور الصهيونية المسيحية لتكون حلاً علمانياً إذ رفضها معظم اليهود المتدينين لأنها تدخل في الإرادة الإلهية، ونشأت حركات تعمل على “إعادة” اليهود إلى”وطنهم”، واستوطن عدد منهم بالفعل في فلسطين بداية من سنة 1868، ولكن الهجرة اتخذت الطابع الجدي بعد اغتيال القيصر الروسي سنة 1881 وما تبع ذلك من هجوم واضطهاد لليهود، ولما شعرت الدولة العثمانية بذلك الخطر، بدأ السلطان عبد الحميد بوضع العراقيل أمام الهجرة بطريقة تدريجية تتناسب مع تعاظم حجم الخطر، مثل منع اليهود من أوروبا الشرقية دخول فلسطين ثم منع اليهود عامة من دخولها إلا للزيارة والحج ولمدة محدود لا تتجاوز ثلاثة أشهر يسلمون قبلها جوازات سفرهم ويمنحون جوازات حمراء مؤقتة، كما حظر بيع الأراضي والعقارات لهم مهما كانت جنسياتهم، ووضع سنجق القدس تحت الإشراف المباشر للباب العالي ، وغير ذلك من إجراءات كانت تنتهك برشوة الموظفين الفاسدين وتدخل القناصل الأوروبيين، وفي هذه الفترة ظهر مؤسس الحركة الصهيونية تيودور هرتزل الذي اكتشف أن المشروع الصهيوني لن يتحقق ما لم تتبناه دولة كبرى، وعمل على الاتصال بقادة الدول العظمى لإقناعهم بتنفيذ فكرته عارضاً على كل واحد منهم خدمات الدولة اليهودية التي يريد إنشاءها، فحاول الاتصال بالسلطان عبد الحميد الذي تقع فلسطين في دائرة سيادته، وزار استانبول خمس مرات بين 1896-1902قابل أثناءها السلطان مرة واحدة بالإضافة إلى لقاء مسئولين عثمانيين آخرين، وقد عرض عليهم خدمات مغرية جداً مثل تسوية ديون الدولة العثمانية ومساعدتها في القضية الأرمنية التي تسبب لها المشاكل داخلياً وخارجياً بكبح جماح الثوار الأرمن وتحسين صورة العثمانيين في الإعلام الغربي، هذا بالإضافة إلى كبح جماح معارضة “تركيا الفتاة”، كما قدم لهم وعوداً زائفة عن عدم تطلع اليهود في فلسطين للاستقلال عن السلطنة والتزامهم طاعة السلطان ونيتهم جلب المنافع والتقدم للبلاد وعدم نيتهم المساس بالقدس، كما سيقف الكيان اليهودي ضد أية حركة عربية تقوم ضد الدولة العثمانية، كل ذلك مقابل وعد من السلطان يتمكن به هرتزل من جمع المال من أثرياء اليهود لتقديمه للدولة العثمانية، وكان رد السلطان هو رفض إقامة دولة يهودية في فلسطين مع الموافقة على هجرة محدودة ومراقبة وموزعة على أنحاء متفرقة من السلطنة مثل الأناضول والعراق بشرط تخلي المهاجرين عن جنسياتهم وحمل الجنسية العثمانية والالتزام بقوانين الدولة، وذكّر السلطان هرتزل بالمعاملة الحسنة التي تلقاها اليهود في الدولة العثمانية وأن ظروفهم فيها أفضل من سواهم، وأنه لا يمكنه تقديم أكثر من ذلك، وقد أوضح السلطان في مذكراته ضرورة بقاء العنصر العربي هو السائد في فلسطين، ويعد موقف السلطان عبد الحميد من الحركة الصهيونية هو الأبرز والأشهر على صعيد محافظته على بلاد العرب، وذلك بسبب ما أصاب فلسطين من كوارث بعد رحيله، وقد كتب الكثير عن موقفه هذا ورفضه بيعها للصهاينة، وأصبحت محاضر لقاءاته معهم وردوده عليهم معروفة للجميع وفي متناول كل باحث، ولهذا لن نأتي بجديد إذا أعدنا سردها ويمكن الرجوع إلى أهمها في الدراسة المذكورة آنفاً، ولكن يمكننا الإشارة إلى بعض النقاط التي لم يتم التطرق إليها كثيرا:
النقطة الأولى: أن السلطان أدرك منذ البداية حقيقة المشروع الصهيوني وأنه لن يجلب الخير للمنطقة كما كان أصحابه يزعمون كاذبين: إذ”إن هؤلاء اليهود لا يمارسون العمل في الزراعة والفلاحة بل ينوون إلحاق الأضرار بالأهالي”، وأنه لو استجاب لطلبهم الاستيطان في فلسطين فإنه يكون قد وقع “قراراً بالموت على إخواننا في الدين”[100]؛ هذا في وقت لم يدرك كثيرون ـ قبله وحتى بعد خلعه عن العرش واشتداد الهجمة الصهيونية ـ الأبعاد الحقيقية لها، فنرى مثلا محمد علي باشا الذي سمي رائدا للنهضة العربية الحديثة ومع ذلك طلب من الصهيوني موسى مونتفيوري أن يكون وكيل أعماله ، ووعده “وهو يدخن نرجيلته المرصعة بالجواهر، بأية قطعة من الأرض معروضة للبيع في سوريا ووافق على فعل أي شيء يستطيع فعله ليسانده في مشروعه” وهو ضمان 100 أو 200 قرية في فلسطين ودفع إيجار زائد بنسبة 10-20% وتأسيس شركة لزراعة الأرض وتشجيع اليهود على الهجرة إليها ، ولم يحبط هذا المشروع الصهيوني الأولي سوى أن سلطة الباشا ضعفت بعد سنة من اللقاء “وعادت سوريا إلى السلطان” ولم تحن فرصة أخرى آنذاك لعودة اليهود(1840)[101]، وقد شكك الدكتور محمد أنيس في ميول محمد علي بالقول إنه يستحيل أن ينسب له أي تفكير قومي عربي في الوقت الذي كان يفاوض فيه فرنسا لحسابها على الجزائر وغزة[102]، (يذكر المؤرخ السوفييتي فلاديمير لوتسكي أنه في سنة 1829 وافق محمد علي وهو من أهم حلفاء فرنسا في الشرق على الهجوم على الجزائر، إلا أن المساومة لم تتم بسبب ضآلة التعويض)[103] ، ومن الذين لم يدركوا أبعاد المشروع الصهيوني زمن السلطنة بعض أهل فلسطين نفسها فنسمع عن بعض الصحف العربية التي ظهرت في عهد الإتحاد والترقي في فلسطين تناصر الصهاينة وتتغنى بالمدارس والمصارف والكروم والمحاريث التي أتوا بها للبلاد، ولم يكن أصحاب هذه الأقلام يدركون أن كل هذا التقدم سيكون من نصيب الوافدين الجدد ولن يجني أهل البلاد إلا الدمار، وإننا نعجب حين نعلم أن مفكراً بحجم أحمد لطفي السيد ـ الذي نصّب أستاذا لجيله ويفترض فيه الوعي ـ يحضر حفل افتتاح الجامعة العبرية سنة 1925م إلى جانب بلفور واللنبي وهربرت صموئيل وحاييم وايزمان، وكان السلطان عبد الحميد قد علم منذ البداية أن “الغاية من إنشاء هذه الجامعة سياسية واستيطانية أكثر منها ثقافية”[104] كما يقول الدكتور حسان حلاق، ولهذا السبب منع إنشاءها رغم محاولة الصهاينة إغراءه بأنها ستغنيه عن إرسال الشباب إلى أوروبا حيث يتأثرون بالأفكار الغربية التي يمقتها، ويزداد عجبنا حين نعلم أن رشيد رضا كتب مقالاً في صحيفة المنار في سبتمبر1911 مفاده أن سوريا تحتاج العلم والمال اليهوديين وعليها استقبال اليهود استقبالاً حسناً بشرط ألا يؤدي ذلك إلى سيطرة الحركة الصهيونية على فلسطين (!)وأفتى بشرعية تحالف الهاشميين مع “أهل الكتاب” البريطانيين والفرنسيين الذين “سخرتهم” العناية الإلهية لخدمة المسلمين (نفس العقلية السلفية التي استعانت بالولايات المتحدة لتدمير العراق سنة 1990)، هذا التسخير الإلهي الذي فتح أبواب المشرق كله، ومنه فلسطين، للاستعمار الغربي كما كان يحذر العقلاء من أمثال الأمير شكيب أرسلان، ويشبه الدكتور النفزاوي موقف رشيد رضا بموقف قطب الاتحاد والترقي طلعت باشا[105]، وهو ما يعني أن المصلح والمجاهد العربي وقف موقف الخائن العثماني.
ومن هذه السلسلة المرتقبة خيراً من الصهيونية أن أديبا كبيرا مثل نجيب محفوظ ظل يحسب الكيان الصهيوني متحضراً إلى أن صحا لبرهة على جرائمه بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في مطلع القرن الحادي والعشرين، وكأنها الجرائم الأولى في تاريخ هذا الكيان(!)
النقطة الثانية هي: تقدير السلطان لتضحيات شعبه العربي، فحين رفض المشروع الصهيوني كان السبب الذي رد به على عرض هرتزل هو أن كتيبتين من جنود الدولة من السوريين والفلسطينيين حاربتا أثناء الحرب مع روسيا سنة 1877م “وقتل رجالنا الواحد بعد الآخر في بلافنا لأن أحدا منهم لم يرض بالاستسلام”، وهذا نموذج من التقدير الذي لا يناسب شخصية مستبد دموي كما حاول الكثيرون تصويره، إذ رأى أن واجب الرعية نحو دولتهم يتطلب حقاً لهم عليها، ولهذا لم يسلم بلادهم للمحتلين الأجانب.
النقطة الثالثة هي:خطأ ما يدعيه بعض الباحثين عن سلبية المقاومة الفلسطينية للصهاينة في عهد السلطان نتيجة كبت الحريات، فقد أثبت الدكتور حسان حلاق أنه “كان لردود الفعل العربية الأثر الواضح في إصدار مجموعة من القرارات والقوانين العثمانية الخاصة بمنع المهاجرين اليهود من الاستيطان في فلسطين”[106] وهو ما أيده أيضا المؤرخ ستانفورد شو في كتابه تاريخ اليهود في الإمبراطورية العثمانية والجمهورية التركية، ولن نسرد قائمة بهذه الأحداث وإنما سنأتي بمثل واحد وهو أنه عندما تم تعيين رشيد باشا متصرفا للقدس سنة 1904م وظهر منه التأييد للاستيطان اليهودي قدمت ضده الشكاوى للسلطات التي أمرته بمنع تملك المهاجرين الأجانب العقارات، ولما لم يستجب تم نقله في سنة 1906م وإحلال علي أكرم بك محله والذي التزم بتطبيق القيود بشدة.
النقطة الرابعة هي: كشف السلطان لنفاق أوروبا التي كانت تطالب العثمانيين بقبول الاستيطان اليهودي في نفس الوقت الذي سدت فيه أبوابها في وجوه اليهود، “وإذا كانت أوروبا المتمدنة تمتنع عن قبولهم وتجلوهم عن بلدانها، فلم نقبلهم نحن؟”[107].
النقطة الخامسة هي أن السلطان لم يحم فلسطين وحدها من الغزو الصهيوني بل حمى سيناء أيضا رغم وقوعها آنذاك تحت الاحتلال البريطاني، فقد اتجه هرتزل بعد فشل مساعيه مع السلطان ويأسه من الحكومة العثمانية-“لم أحقق أهدافي ولا أريد المزيد من الانتظار”[108]-إلى الحكومة البريطانية سنة 1903 طالباً إليها تحقيق مشروع الاستيطان في شبه جزيرة سيناء، وعلى عكس ما يدعيه بعض المتحاملين على السلطان عبد الحميد بلا دليل، ثبت أن معارضته القوية للمشروع الصهيوني في سيناء-الذي سيكون منطلقا للوثوب على فلسطين-هي التي دفعت اللورد كرومر حاكم مصر الفعلي لرفضه أيضا “لأن بريطانيا ليست مستعدة في الوقت الحاضر لمواجهة السلطان العثماني”، وينقل الدكتور حسان حلاق عن مصدر فرنسي “أن اللورد كرومر والحكومة المصرية تخوفا من غضب الباب العالي وعملا على عدم إثارته في هذا الموضوع”[109].
النقطة السادسة: بينما عارض السلطان المشروع الصهيوني إلى آخر حياته مما كلفه ذلك عرشه فلم يقبل التنازل لجمعية الاتحاد والترقي التي هددته بإبعاده عن السلطة كما تشير إلى ذلك وثائق وحوادث عديدة، رحب حكام عرب ومسلمون بالهجرة الصهيونية مقابل أثمان أقل مما دفع للسلطان بكثير، ففي سبيل إرضاء بريطانيا حث الشريف حسين بن علي على استقبال اليهود في فلسطين بكرم العرب، ووقع ابنه فيصل مع حاييم وايزمان رئيس الحركة الصهيونية اتفاقا بهذا الشأن سنة 1919، كما حث عباس حلمي خديو مصر السابق أهل فلسطين على التصالح مع الصهيونية وترك بلادهم والرحيل إلى شرق الأردن وذلك مقابل توسط اليهود ليحسن علاقته بالحكومة البريطانية ويحصل على تعويض عن أملاكه التي خسرها في مصر وراتب سنوي قدره 30 ألف جنيه، ووصل الأمر بمؤسس ولاية الأمر السلفية المعاصرة وأحد الملوك العرب الكبار أن وقع تنازلاً عن فلسطين “للمساكين اليهود” أو حتى غيرهم ” كما تراه بريطانيا التي لا أخرج عن رأيها حتى تصبح الساعة” كما تنازل الملوك والرؤساء والأمراء المعاصرون بمن فيهم من ثوريين وتقليديين عن فلسطين بشكل جمعي ورسمي وعلني منذ قدموا مبادرتهم القائمة على الشرعية الدولية في قمة فاس سنة 1982 وكانوا منذ قيام الكيان الصهيوني يطالبون سراً وعلناً بتطبيق قرارات الأمم المتحدة وأخذ حصتهم القليلة فقط من فلسطين، ثم يأتي بعد كل ذلك من يقفز عن كل هذه الحقائق ويحمل السلطان عبد الحميد مسئولية التفريط بفلسطين (!)
النقطة السابعة أن السلطان عبد الحميد لم تبهره دعاوى الهيمنة اليهودية العالمية التي حاول هرتزل خداعه بها وكانت الصهيونية حريصة على استثمارها ونجحت في ذلك في ساحات دولية عديدة أخرى في الوقت الذي سعت فيه دول عظمى لاستثمار هذه الهيمنة لصالحها -وبخاصة في الحرب الكبرى الأولى -فأصدرت الوعود لصالح المشروع الصهيوني كوعد بلفور البريطاني وتصريح كامبون الفرنسي وتصريحات مشابهة صدرت عن قادة جمعية الاتحاد والترقي والألمان لما وجدوا الكفة تميل لغير صالحهم في هذه الحرب.
النقطة الثامنة هي أن السلطان عبد الحميد لم ينزلق خلف محاولات الوقيعة بين الدولة والعرب وبدلا من التحسب منهم واللجوء إلى الصهاينة الغرباء لمساعدته ضد ثورة عربية محتملة ، قام السلطان بتقريب العرب ومنحهم المزايا التي سبق الحديث عنها مما أفقد الأفكار الانفصالية رواجها ولم تعد إلى الحياة إلا بعد خلعه عن العرش ومجيء الاتحاديين بسياستهم القومية الطورانية.
النقطة التاسعة: لم يكن من المحتمل نجاح المشروع الصهيوني مع بقاء السيطرة العثمانية على المنطقة، وهي سيطرة معادية تكبل طموحات الهجرة اليهودية وتكوّن بيئة معادية للمهاجرين ، ولا ترغب في التنازل عن السيادة على فلسطين طوعا، فلا عجب أن غادرها عشرات الآلاف منهم بعد وصولهم ثم غادرها عشرات آلاف آخرون بجرة قلم زمن الحرب الكبرى بعد انضمام الصهيونية للحلفاء وتحولهم إلى معسكر أعداء الدولة، ولهذا كان لا بد من انقلاب جذري في الأحوال السياسية ليأخذ المشروع فرصته في النمو وهو ما حدث بالفعل بعد مجيء الانتداب البريطاني الذي ألغى الإجراءات العثمانية ومن ثم اتضح الفرق بين الحكمين لأهل فلسطين الذين أسفوا على العثماني الذي فاتهم ولم يفرحوا بالبريطاني الذي أتاهم.
النقطة العاشرة: رفضت الدولة العثمانية المشاريع الصهيونية المتتالية رغم أنها كانت تُقدم في كل مرة من زاوية المصلحة العثمانية وأنها مما “سيكون مفيداً جداً للسلطان”، سواء لردع محمد علي باشا (مشروع بالمرستون 1840) أو لردع التمدد الروسي (مشروع أوليفانت 1880) وما يصاحب ذلك من إمكانات وخبرات يجلبها اليهود معهم وتؤدي إلى تقدم الدولة وتطورها، حتى أن هرتزل اعترف أثناء تقديم مشروعه للسلطان (1901) والذي يتضمن تسوية ديون الدولة التي تشكل العقبة الرئيسة أمام استعادة العثمانيين عافيتهم، بأن”القوى الكبرى التي تريد إبقاء الدولة العثمانية ضعيفة، ستحاول بكل نفوذها منع شفائها وستعمل كل ما يمكن لإحباط هذه العملية”[110]، ومع أن السلطان أقر بذلك فإنه لم يوافق على نتيجة هرتزل وهي دعم المشروع الصهيوني، مما يؤكد استقلالية الدولة في تشخيص مصالحها حتى في زمن الضعف سواء كان السلطان ذا ميول تغريبية أو إسلامية، وهو ما يختلف عن حال دول الاستقلال والتجزئة التي ليس لها مصالح مستقلة عن المراكز الغربية.
النقطة الحادية عشرة: لا تؤدي يقظة الدولة وحدها إلى النتيجة المرجوة ما لم تكن مصحوبة بيقظة الشعب وتعاونه، وقد تمكنت الحركة الصهيونية من تثبيت وجودها في فلسطين بالتعاون مع بعض الإقطاعيين والإداريين الفاسدين والأهالي الذين ساعدوها على التملك المحظور، وكانت الدولة تقوم رداً على ذلك -وبخاصة في زمن المتصرف علي أكرم بك في آخر سني السلطان عبد الحميد حين اتضح الخطر الصهيوني- بإصدار الأوامر إلى جميع الملحقات بما “يوجب القصاص الشديد على المختارين وغيرهم من الأهلين الذين يرون أبنية تشيد بغير رخصة رسمية” كما كتب بذلك مراسل صحيفة ثمرات الفنون البيروتية[111].
النقطة الثانية عشرة: بعد دراسة مستفيضة لسياسة الاستعمار والصهيونية تجاه فلسطين، يقوم الدكتور حسن صبري الخولي ما حققته الصهيونية في العهدين العثماني والبريطاني كما يلي:”ولا ريب في أن الانتداب البريطاني كان الأداة التي هيأت الجو الصالح لتنفيذ هذه الأهداف تنفيذاً سريعاً.ولقد ظلت الصهيونية تسعى منذ أواخر القرن التاسع عشر، ومطلع القرن العشرين، لتنفيذ مخططاتها لتهويد فلسطين، غير أن ما حققته في هذا السبيل كان ضئيلاً لا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق أحلام الصهيونية لو سار الأمر على مثل هذه الوتيرة، لأن الحكم العثماني لفلسطين قبل الحرب العالمية الأولى كان عقبة حالت دون تحقيق الصهيونية برنامجها”[112]، وفي هذا رد على من اقتصر على رؤية ذلك “الضئيل” الذي حققته الصهيونية في ظل العثمانيين فضخمه وجعل منه الحقيقة الدامغة[113]ودليل الإدانة الذي كان سطحياً مع الأسف لأنه يفتقر للدراسة الشاملة التي يجب أن تدرس ظروف الحدث ومآلاته ودور بقية الجناة بطريقة أعمق من محاولة ضبط أخفهم خطأ في حالة تلبس بل وتزوير الأدلة ضده بالادعاء أنه وافق على الهجرة اليهودية إلى عموم الشام (وهو ما لم يحدث بل وافق على الهجرة إلى عموم الدولة العثمانية، والأناضول على وجه الخصوص، مع استثناء فلسطين كلياً من ذلك[114]كما أجمعت المراجع) وكل هذا التحامل للحكم عليه بالإعدام بسبب مجرد “جنحة”مع أخذ العذر بل مكافأة مرتكبي الجرائم الحقيقية الكبرى.
النقطة الثالثة عشرة: وجوب وضع الأخطار آنذاك في حجمها كما بدت في حينها وليس كما تطورت فيما بعد في مسار لم يكن حتمياً لو استمر الحكم العثماني مثلاً، وبغير هذه النظرة التاريخية سنحكم بالخيانة مثلاً على شخصية وطنية مجمع على نزاهتها وإخلاصها كالزعيم المصري مصطفى كامل باشا الذي اجتمع مع هرتزل أكثر من مرة وأثنى على إخلاص اليهود للدولة العثمانية وعدم استخدامهم من جانب الدول الكبرى[115]، ولكنه لم يطالب بهجرتهم كما فعل غيره من الشخصيات العربية، وكل ما كان يبتغيه هو المقارنة بين وضع اليهود ووضع الأرمن الذين تستخدمهم الدول الكبرى لطعن العثمانيين، وكانت مشكلة التدخلات الأجنبية والمؤامرات مع الأقليات هي الحدث الغالب على الساحة العثمانية يومذاك ولهذا بدت المشكلة الأرمنية أكبر من المشكلة اليهودية، وبغير هذا الإطار التاريخي يمكن لأي متنطع أن يرمي الزعيم بالخيانة كما رُمي السلطان بالتواطؤ.
رابعا:السلطان عبد الحميد والمسلمون خارج نطاق الدولة العثمانية
رغم أنه لم يكن للدولة العثمانية سيادة سياسية على ملايين المسلمين الذين يعيشون خارج حدودها وكثير منهم تحت هيمنة الاحتلال العسكري الغربي، فقد حاول السلطان عبد الحميد أن يربطهم جميعا بمركز الخلافة الإسلامية لتحقيق وحدة فكرية وروحية إن لم تكن سياسية، وفي سبيل ذلك أرسل السفراء والمبعوثين والعلماء إلى جميع أنحاء العالم الإسلامي من جاوة شرقاً إلى المغرب غرباً ومن روسيا شمالاً إلى الحبشة وجنوب إفريقيا جنوباً، مستفيدا بذلك من الطرق الصوفية التي كانت واسعة الانتشار آنذاك، وكان الهدف الرئيس من هذا الجهد هو جعل المسلمين يواجهون الهجمة الاستعمارية الشرسة جبهة واحدة، “فالمسلمون في ألبانيا يهدد بهم النمسا والمسلمون التتر والأكراد يهدد بهم روسيا والمسلمون في الهند يهدد بهم إنجلترا والمسلمون في المغرب يهدد بهم فرنسا” كما يقول الدكتور محمد أنيس[116]، وقد سارت العلاقات بين الدولة العثمانية والمسلمين خارجها في اتجاهين، إذ كان السلطان يرسل إليهم المساعدات المادية لبناء المدارس بشكل خاص (الجامعة الحميدية في بكين مثلاً)ويستقبل طلابهم في المدارس العثمانية كما يرسل إليهم الكتب والإرشادات الدينية ويشارك في رعايتهم سياسياً في مواجهة الأحداث المستجدة وبخاصة عند اقتراب الأخطار، وكانوا هم يستجيبون لإرشاداته ويدعمون الدولة سياسياً كما فعلت الوفود العديدة بعد انتصار الدولة على اليونان ، ومادياً إن لزم الأمر كما حدث في إنشاء سكة حديد الحجاز، وقد علق أحد أمناء السفارة البريطانية في استانبول على وفود التهنئة التي أمت العاصمة العثمانية في عيد الأضحى الذي تلا النصر على اليونان لتهنئة السلطان بالمناسبتين، بقوله:”لقد أحدث عيد الأضحى هذا تأثيراً بالغاً في نفسي، لقد أثبت هذا العيد أن السلطان له مكانة عظيمة ومقام رفيع بين المسلمين جميعاً، كما أن محاولات الإساءة إليه فاشلة”[117]، وبهذا تمكن من الإمساك بسلاح قدرة الخلافة على تحريك جماهير المسلمين ولوحه في وجوه الأعداء الغربيين وكان يرى فيه سلاحاً سياسياً قوته في التهديد به دون استخدامه فعلاً وهو ما أثبتت الأحداث دقته عندما فشل إعلان الجهاد الذي أصدره السلطان محمد رشاد زمن حكم الاتحاد والترقي أثناء الحرب الكبرى الأولى بعد عقود من نجاح تهديدات السلطان عبد الحميد الغربيين به وانتزاع المكاسب منهم بوسيلة التخويف.

الكاتب : محمد شعبان صوان
المصدر : أرشيف الدولة العثمانية


تابع صفحتنا في شبكة قوقيل بلس واقترحها :

تابع صفحتنا في الفيسيبوك:

ليصل جديدنا إلى بريدك تفضل بالاشتراك