الجمعة، 4 مارس 2016

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الثالث


سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الثالث

نتائج سياسة الجامعة الإسلامية وثمارها
وكان من ثمار حركة الجامعة الإسلامية ما أجمعت عليه المراجع من أن فكرة الانقسام القومي لم تظهر لدى العرب خاصة إلا بعد الانقلاب على صاحب الفكرة سنة 1908، وفي ذلك يقول الأستاذ عادل مناع إن معظم المؤرخين الذين درسوا جذور الحركة القومية العربية يجمعون على أن رواد اليقظة الأدبية في بيروت “لم يتركوا أثراً كبيراً في الاتجاهات السياسية في البلاد الشامية” رغم أهمية دورهم الثقافي، “فقد نجح السلطان عبد الحميد الثاني، جراء سياسته الإسلامية وتقريبه الكثيرين من الشخصيات العربية، في كسب ولاء وتأييد الأغلبية الساحقة من سكان المنطقة حتى حدوث الانقلاب وعزله عن العرش”[118]، وقد فصل السفير البريطاني في استانبول في تقريره السنوي لسنة 1907 أثر فكرة الجامعة الإسلامية في مسلمي الدولة العثمانية وبقية المسلمين خارجها بعد إنشاء سكة حديد الحجاز بقوله إن هناك عاملين رئيسين أثرا في السياسة العامة في السنوات العشر السابقة أحدهما هو “تلك السياسة الماهرة التي حدت بالسلطان إلى أن يظهر أمام ثلاثمائة مليون من المسلمين بمظهر الخليفة والزعيم الروحي للإسلام، وبثت في نفوس رعاياه الحماسة والاستجابة لشعوره الديني حين مد سكة حديد الحجاز…وكان من نتيجة ذلك أن أصبح رعاياه يدينون له بالطاعة العمياء إلى حد لم يسبق له مثيل، وأصبحوا يقبلون عن رضى باستبداده المطلق الذي لم يشهد التاريخ له شبيهاً من قبل…”[119] ولا يخفى ما في حديث السفير من مبالغات استشراقية ولكن ما يهمنا هو التوثيق لأثر الجامعة الإسلامية وكيف أن وجود مركز واحد يساهم في تجميع جهود ومشاعر المسلمين بصورة أفضل من الشرذمة حول المراكز الإمبريالية الغربية كما حدث فيما بعد، ولا يمكن أن نجعل من تلك الوحدة وضمور فكرة الانفصال في عهد السلطان من نتائج الاستبداد كما ذهب إلى هذا بعض المؤرخين ، ذلك أن حكم الاتحاد والترقي كان أشد استبداداً من حكم السلطان عبد الحميد بالاتفاق، ولكن ذلك الاستبداد الاتحادي لم يؤد إلى أن يصبح رعاياه يدينون له بالطاعة العمياء إلى حد لم يسبق له مثيل ولم يجد هذا الحكم من يرضى باستبداده المطلق ولم يجد الدعم من ثلاثمائة مليون مسلم كما كان الحكم الحميدي يجد كل ذلك، فلا بد أن هناك عناصر أخرى غير الاستبداد الاستشراقي توفرت في حكم السلطان عبد الحميد وأمدته بهذا الدعم الشعبي العام وليس من الصعب علينا اكتشافها ولكن ذلك يصعب على المدرسة الاستشراقية-الاستئصالية التي تتمسك بكونها أعلم بمصالح الآخرين من أنفسهم.
وكان لسياسة الجامعة الإسلامية أثرها في السياسة الدولية بما عاد بالنفع على الدولة العثمانية، إذ يقول المؤرخان شو إن توقف العدوان العسكري الغربي عليها بعد الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882 وتحول الصراع الاستعماري من الميدان العسكري إلى التنافس الاقتصادي طوال العهد الحميدي يعود-ولو بصورة جزئية-إلى نجاح السلطان في استخدام السلاح الإسلامي في صد المعتدين الإمبرياليين الغربيين[120]، وتحت عنوان “عبد الحميد يلجأ إلى جامعة إسلامية ذات عصبية عربية” يؤكد الأستاذ محمد جميل بيهم الرأي السابق ويستدرك عليه بالقول إن هذه السياسة ردت عن السلطنة غوائل كثيرة في ذلك الوقت في الداخل والخارج وأفادتها ولاسيما في نطاق جمع كلمة المسلمين حول السلطان وذلك بالتلويح بالأخطار الأجنبية المحيقة بهم “إلا أنها كانت مصدرا لحرب دعائية قوية أثارتها عليه الدول المستعمرة، ومؤامرات ضده في داخل سلطنته اشترك فيها شباب الترك الذين أسموا أنفسهم بالأحرار فكان كل ذلك مما أطاح به عن العرش فيما بعد وأطاح بهذا العرش الذي لعب دوراً كبيراً في تاريخ العالم”كما أن سياسة الجامعة الإسلامية ولجوء السلطان إلى هز عصا الخلافة والتفاف العرب حوله كان له آثار سلبية على بريطانيا وفرنسا “زعيمتي دول الاستعمار”اللتين خفتا إلى “محاربة هذه السياسة بالاستناد إلى بعض رجالات العرب على صعيد أن العرب هم أصحاب الحق بالخلافة”[121].
ويذهب المؤرخ ويتكروفت إلى أن السلطان عبد الحميد أصبح في نظر الغربيين تجسيدا لأسوأ السجايا التي ألصقت بالعثمانيين كالوحشية والجبن والشبق، وأنه لم يُمقت أي سلطان بشكل واسع كما مُقت عبد الحميد حتى أطاح به الجيش والسياسيون ونفوذ القوى الغربية الكبرى[122].
العلاقات الخارجية في آخر أيام الخلافة العثمانية
استندت سياسة السلطان عبد الحميد الخارجية إلى إثارة الخلافات بين الدول الكبرى للحؤول دون اتفاقها ضد العثمانيين، وكان يسره أن يرى صراع الدول الكبرى في سبيل كسب صداقة الدولة العثمانية “إذ يقلل من الصعوبات التي تعترضنا في حل مشاكلنا السياسية”[123]، وقد سبق ذكر فقرات متفرقة من سياسة الدولة العثمانية الخارجية تجاه العدوان الغربي واحتلاله بلاد المسلمين وأطماعه في المزيد، وملخص الأمر على صعيد السياسة الخارجية أن الدولة العثمانية ظلت في القرن التاسع عشر “قوة يحسب حسابها في السياسة الخارجية في كل من بريطانيا وفرنسا وإمبراطورية النمسا وكذلك ألمانيا وإيطاليا، ومن جهة أخرى فقد بقيت قوى محلية في الهند وآسيا الوسطى وشمال إفريقية تتطلع إلى الدولة العثمانية لحماية مصالحها” كما يقول المؤرخ دونالد كواترت في كتابه الدولة العثمانية[124]، وقد وصف بعض المؤرخين سياسة الجامعة الإسلامية التي تبناها السلطان عبد الحميد بأنها كانت غولاً يرعب أوروبا في ذلك الزمن.
وكانت الدولة الكبرى التي تعادي الدولة العثمانية يتضاءل نفوذها التجاري أو الاستثماري أو المالي تبعاً لذلك كما حدث مع بريطانيا، والعكس يحدث مع الدول التي تعرض صداقتها دون أطماع طاغية كما حدث مع ألمانيا، وهو ما نفتقده في عصر الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية إذ يزيد نفوذ الغرب لدينا كلما أمعن في معاداة قضايانا ومصالحنا لأنه يجد تربة خصبة في التجزئة لحفز التنافس بين الصغار على إرضائه مهما أجرم في حق أمتنا.
ورغم الحديث الكثير عن شدة التدخل الأجنبي في شئون الدولة العثمانية، فإننا نجد أن وضعها كان أفضل من وضع الاستقلال الوهمي لدولة التجزئة المجهرية، ويمكننا إثبات ذلك لو قمنا ببعض المقارنات في عدة مجالات :
1-التدخل الأجنبي في تنصيب الحكام: في يوم 4 فبراير 1942 حاصرت دبابات الاحتلال البريطاني في مصر قصر الملك فاروق وفرضت عليه بالقوة تعيين الزعيم الوفدي مصطفى النحاس رئيساً للوزراء، وهو حدث ألّف نقلة نوعية وسابقة لعملية فرض الزعماء على العالم الإسلامي بالقوة المسلحة، وكان الناس يأنفون من فرض الزعماء على أيدي المحتلين سلمياً حتى أن مصر لفظت السلطان حسين كامل (1914) وحاولت اغتياله أكثر من مرة لأنه استمد شرعيته من الاحتلال البريطاني بعدما كان الخديو يستمد شرعيته من تعيينه بفرمان الخليفة العثماني، ثم أصبح الحاكم يعين بالقوة الاستعمارية المسلحة المفروضة على حكام التجزئة دون أن يستطيعوا الاعتراض واستمر هذا الأمر إلى يومنا ومن لم يقبل خُلع بالقوة ، وفي زمن ضعف الخلافة العثمانية حاولت بريطانيا ممارسة هذا الأسلوب في أثناء الأزمة الأرمنية سنة 1895 حين أرسلت أسطولاً من ثمانية عشر سفينة حربية إلى سالونيك “بقصد إرهاب الدولة العلية وتهديدها”، وفي 9 نوفمبر 1895 وقف اللورد سالزبوري (رئيس الوزراء البريطاني في نهاية عهد الملكة فكتوريا) وألقى خطبة عنيفة في لندن طعن فيها بالسلطان عبد الحميد “وأنذر المسلمين بقرب خلع خليفتهم وأوهم العالم كله بأن دول أوروبا متفقة جميعها مع إنكلترا في خطتها ونواياها” ولكن “شعرت كل أوروبا وقتئذ بأنه يستحيل عليها أن تتداخل تداخلاً عسكرياً وأن مثل هذا التداخل يجر على العالمين المصائب العديدة حيث يكون سبباً لثورة عامة من المسلمين في تركيا وداعية لسفك دماء كافة المسيحيين في الشرق وأصلاً لحرب أوروبية عامة، وقد اضطر اللورد سالسبوري نفسه أن يقول:” مادامت السلطنة العثمانية قائمة فليس لأوروبا قوة تضغط بها على تركيا وكل ما في استطاعتها أن تؤثر على فكر جلالة السلطان”ويعقب الزعيم الكبير مصطفى كامل باشا على ذلك بقوله:”فليقارن القارئ بين هذه اللهجة وبين لهجة اللورد نفسه في خطبة 9 نوفمبر عام 1895 يوم قال إن دول أوروبا كلها متفقة مع إنكلترا وأنذرنا معاشر المسلمين ومعاشر العثمانيين بقرب خلع صاحب الخلافة العظمى!!!”[125]، وأنا أدعو القارئ أيضاً للمقارنة بين تلك اللهجة وفلسفة الغرب في التعامل مع حكام الخليج والتي أفصح عنها المعتمد البريطاني السابق في أكثر من بلد خليجي هارولد ديكسون الذي قال :”إن مكانة بريطانيا وعزها يحددهما مدى الخوف وليس الاحترام”[126]، وهي فلسفة ورثتها الولايات المتحدة في تعاملها مع العرب بغطرسة فاضحة أحياناً، فشتان بين عز الوحدة حتى مع ضعفها وذل التجزئة في أبهتها.
وقد أصبح التدخل الاستعماري المسلح لخلع الحكام أو تنصيبهم على بلدان التجزئة ظاهرة منذ حادث 4 فبراير، وقد تكرر ذلك في عدة بلاد فيما بعد، كما أن أسلوب التآمر لتنصيب الحكام وخلعهم لم ينقطع منذ سقوط الخلافة، وكان تدبير الانقلابات أو المؤامرات من أوضح الأمثلة على ذلك في البلاد الثورية أو المحافظة، وقد كشفت الوثائق عن حقائق مذهلة في هذا المجال، والمرة التي حاولت بريطانيا ممارسة هذا الأسلوب خفية أثناء أزمة خلع السلطان عبد العزيز واغتياله واتصال بعض وزراء التغريب بها كان مصيرهم فيها المحاكمة والعقوبة في زمن السلطان عبد الحميد، وبعدما وصلت جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم بدعم أجنبي انقلبت على رعاتها ودخلت الحرب الكبرى للثأر من جرائمهم في حق الدولة العثمانية، أما دول التجزئة فقليلاً جداً ما شاهدنا صيغة الخروج عن المسار الاستعماري فيها.
2-استفادة المخططات الأجنبية الاستعمارية من السياسة المحلية: وفي الوقت الذي كان فيه حكام التجزئة مجرد أزرار ينفذون مخططات الدول الكبرى كما تملى عليهم، أكثر بعض المؤرخين من تسقط أخطاء العثمانيين وضخموها للاستدلال على تعاونهم مع الأجنبي، ولعله لم ينل حادثاً من النقد ما نال منشور إعلان عصيان عرابي باشا(1882) الذي حلا لهؤلاء المؤرخين أن يضعوا به كل أوزار الاستعمار على كاهل العثمانيين.
وقد سبق الحديث عن هذا الموضوع وما أريد إضافته هنا أن إغفال كل تعاون دولة التجزئة مع المخططات الاستعمارية والتركيز على خطأ عثماني واحد ليس من الإنصاف ويدل على عور في الرؤية التاريخية، إذ أين نحن من إفادة الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة من سياسة ثورة يوليو 1952 في محاربة الشيوعية[127]؟ وأين نحن من إفادة الولايات المتحدة من سياسة حكم الرئيس جمال عبد الناصر في محاربة النفوذ البريطاني وقواعده في العالم العربي؟ حتى أنها وقفت إلى جانبه علناً ضد العدوان الثلاثي[128] وقبل ذلك في إسقاط حلف بغداد[129]وقبله في إنحاء الاحتلال البريطاني لمصر[130]، وأين نحن من سياسات الأحلاف الإسلامية التي أراد منها الغرب ضرب الأمة بعضها ببعض لصالح هيمنته على الجميع[131]؟ وأين نحن من حرب الوكالة عن الدول الكبرى والتي جرت في اليمن بعد الثورة 1962؟وأين نحن من إفادة الغرب من إشعال الحرب بين العراق وإيران واستمرارها وهو ما يتحمل الطرفان مسئوليته؟ وأين نحن من الجهاد الأفغاني ضد السوفييت ومن وقف وراءه ممولاً بالمليارات وداعماً بآلاف المتطوعين بأمر من الولايات المتحدة؟ وأين نحن من غزو العراق وأفغانستان وما قدمته السياسات “الإسلامية” سواء السلفية أم الثورية لخدمة المشروعين؟ وأين نحن من السياسات الاقتصادية التي سفحت ثروات الأمة على مذبح المصالح الغربية سواء بضخ الموارد أم بالإنفاق على خطط التدمير والهيمنة، وسياسات التطبيع التي أقرها وشارك فيها أصحاب القضية أنفسهم فخدمت المشروع الصهيوني بل وحرضته على المنافسين من الجيران والأشقاء بل وزايدت على إدراكه لمصالحه وطالبته بمزيد من التشدد والهجوم على أجزاء من مكونات الأمة؟ هذا ولم لم تنج دولة من دول الشرق العربي الإسلامي من التورط في خدمة كل هذه المصالح الاستعمارية التي يخبو أمامها فرمان عصيان عرابي الذي لم يهادن كاتبة الاحتلال البريطاني قط.
وقد لاحظنا فيما سبق أن السياسة العثمانية حرصت في قضية اتفقت فيها توجهاتها مع التوجهات البريطانية كإلغاء الرق على النأي بنفسها عن التنسيق مع الإنجليز وأبقت تطفلهم بعيداً عن الاطلاع على مسار الأحداث الداخلية، خلافاً لدولة التجزئة التي وصل الحال بها إلى عرض تفاصيل دينها على السفارات الأجنبية لنيل قبولها[132].
3-الخضوع للمخططات الأجنبية الضارة بالذات الوطنية : كانت علاقة الدولة العثمانية بالغرب في آخر أيامها علاقة الضحية بالطامعين بها، ولهذا اتخذت هذه العلاقات صورة التوتر الدائم مع العداوة الظاهرة في بعض الأحيان، ومع أن العثمانيين فقدوا كثيراً من أراضيهم في قرنهم الأخير، فإن ذلك لم يتأت عن طريق الخضوع والاستسلام الذي رأينا نماذجه المهينة في دولة التجزئة والتي وصلت الحدود فيها إلى قبول التحكيم الأجنبي بين الإخوة والجيران بل قبول التمثيل الأجنبي للحكام المحليين[133] الذين يقضي الأجنبي في ملكهم دون علمهم وربما اقتطع أنصاف ممالكهم أو أكثر من ذلك مع عدم قدرة صاحب الجلالة أو السمو على الاعتراض إلا بالبكاء للموظف الاستعماري البريطاني الذي يقوم بتوبيخ أعلى مقامات السلطة العربية كأنه يتحدث إلى تلميذ مشاغب في مدرسة للأطفال[134]، ومع ذلك تستمر التبعية ويستمر الانبطاح، أما استيلاء الأجانب على الممتلكات العثمانية فكان يتبعه عداوة وتوتر وعدم اعتراف بأي احتلال ولو طال أمده، ولا يتم التراجع في دولة متهالكة إلا بهزيمة عسكرية أو بعجز عسكري أو بتهديد بخسارة أكبر، وليس بالانصياع والتبعية والمذلة التي رأيناها في الدولة الوطنية، لم يصرح أي سلطان بأنه سيوقع على ما يقترحه “صديقه” الأجنبي دون قراءته كما فعل الرئيس أنور السادات لأجل “خاطر” الرئيس الأمريكي جيمي كارتر ومستقبله، حتى وصفه وزير خارجيته محمد إبراهيم كامل بالعبد الذليل في حضرة كارتر[135]، ولم يثق بالأجانب إلى درجة التوقيع فعلاً على أوراقهم دون قراءتها كما فعل الملك فيصل بن الحسين[136]، ولم يتوسل بالصهيونية لتحقيق مصالحه لدى الدول الكبرى كما أصبحت “الموضة” في دول التجزئة كبيرها وصغيرها، وكان صمود السلطان عبد الحميد يخرج بنتائج إيجابية أحياناً مثل رفض المحمية البريطانية في أرمينيا ورفض الأمر البريطاني الواقع في الكويت واستبعاد سلطات الاحتلال من العقبة وشمال الجزيرة العربية، هذا مع استمرار اليقظة العثمانية من الأصدقاء فضلاً عن الأعداء، وعدم تسليم الأوراق حتى للأصدقاء والحلفاء كما رأينا في رفض الاستيطان الألماني فضلاً عن البريطاني والفرنسي والأمريكي، وفي سوء ظن السلطان في النوايا النفطية لحليفته ألمانيا، وحتى حين يعرض أحدهم موقفاً مؤيداً لا يتم الانبطاح له كما فعلت دولة التجزئة مع مستغليها، فالسلطان “إذا كان مستعداً للتعاون مع فرنسا عندما تقود حملة ضد السياسة البريطانية في مصر، فهو لا يمكنه القبول برفضها الاعتراف بسيادة سلاطين بني عثمان على أفريقيا الشمالية” وفقاً لجون هاسلب[137].
4-رفض بيع المواقف السياسية: وعلى العكس من كبريات دول الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية التي عرضت مواقفها للبيع في سوق النخاسة السياسية العالمية مقابل إسقاط ديون أو منح مساعدات أو قروض ولو على حساب بلاد عربية أخرى يتم حصارها وتدميرها (غزة) أو تقسيمها (السودان) أو تدميرها وحصارها ثم احتلالها (العراق) أو الهيمنة عليها (الخليج) بما يناقض حتى المصالح الوطنية الضيقة للبائعين، كانت الدولة العثمانية ترفض عرض مواقفها للبيع ولو بأثمان باهظة، ولهذا رفض السلطان عبد الحميد التبعية للمواقف الروسية مقابل تنازلها عن تعويضات حرب 1877-1878 وفضل دفع هذه التعويضات لمدة مائة سنة على أن تؤيد الدولة العثمانية روسيا في السياسة العالمية[138]، كما رفض بيع جزء ولو كان صغيراً من فلسطين للحركة الصهيونية ولو كان ذلك مقابل تسوية الديون العثمانية وهي السبب الرئيس في ضعف الدولة آنذاك، كما رفض بيع جزية مصر للاحتلال البريطاني حتى لا تصبح هيمنته على هذا البلد شرعية[139]، وإذا كان السلطان عبد الحميد قد رفض أن يعود لعرشه على أسنة رماح أجنبية، فكم من ملك وأمير وشيخ تعهد لبريطانيا عن نفسه وورثته من بعده، بألا يقيم علاقة دبلوماسية، ولا يبيع، ولا يؤجر، ولا يرهن، ولا يتنازل عن قطعة أرض من أراضيه، ولا يمنح امتياز مورد من موارد بلاده إلى دولة أخرى دون موافقة الحكومة البريطانية، مقابل ضمان نظام حكمه، رغم ما في هذه الشروط من إجحاف ظاهر وباطن كان مدمراً في بعض الأحيان كما سبق الحديث عن سكة بغداد، ومع كل هذا كانت الدولة الوطنية تلقن أجيالها هذه “المفاخر” بمباهاة واعتزاز (!)[140]
5-العلاقات مع السفارات الغربية والمبعوثين الأجانب: رغم ضعف الدولة العثمانية في آخر أيامها وحلول التراجع والهزيمة بها مقابل التغول الغربي عموماً والبريطاني خصوصاً، فقد وجدنا أن المبعوثين الأجانب كانوا ينتظرون فترات طويلة قبل مقابلة السلطان العثماني ليعرفوا موقعهم[141]، وكان السفير البريطاني ينبه بأن تكون مباحثاته ثنائية وبأن أي إساءة علنية مرفوضة[142]، وعندما يسيء أحدهم الأدب في حضرة السلطان[143]فإن الرد يأتيه بعملية “لطع” في غرفة باردة لمدة ساعة يصاب على إثرها بنزلة برد تلزمه الفراش رغم كونه حاملاً رسالة من الملكة فكتوريا نفسها[144]، أو برفض استقباله لدى السلطان مطلقاً[145]، أو برفض تلبية مطالبه وتدخله في الشئون العثمانية[146]، لم يقبل السلطان العثماني أن يأتي بالتدخل الأجنبي المباشر كما جاء ملوك التجزئة، ولم يكن على “علاقة حميمة” مع السفير البريطاني ويجتمع به لتلقي”نصائحه” في كل شاردة وواردة في ملكه[147]، ولم يكن يعمل جاسوساً لأعداء بلاده كما ثبت عن غير واحد من “أشراف”أوطاننا المجزأة في الأردن والمغرب[148]، ولم يكن المندوب السامي يرفع حذاءه في وجهه[149]، ولم يكن يفوض البريطاني بالحديث نيابة عنه دون استشارته ثم يبكي وينهار أمامه في مشهد مسرحي ومحزن[150]، أو ينهار عندما يواجهه الموظف الاستعماري ويحشره في الزاوية[151]، ولم يكن الأمريكيون يؤنبونه ويوبخونه ويمتهنونه “دائما” كما فعلوا مع زعامات عربية ثورية كبرى[152]، ولم يتوف سلطان عثماني زمن الضعف والتراجع بعد اجتماع بمبعوث غربي كما حصل مع أمير البحرين السابق الذي لا يُدرى حتى اليوم ما الذي وضعه وزير الدفاع الأمريكي اليهودي كوهين على كاهله أثناء اجتماعه به فلم يتحمل ومات من ساعته[153]، ولم يجرؤ مبعوث غربي على إسكات سلطان المسلمين بكلمة “إخرس shut up” لو خاطبه بأمر يكدر بال الغرب من مصالح المسلمين كما ذكر العقيد الليبي الراحل معمر القذافي عن حاكم عربي شكى له من تسلط الأجانب عليه وإخراسه بتلك الكلمة عندما يفاتحهم بموضوع فك الحصار الذي كان مفروضاً على ليبيا، ولم يكن السلطان العثماني يسلم أهله للأجانب ويثني على “دماثة أخلاق وجم أدب وكمال”المندوب السامي البريطاني الصهيوني ، “السياسي المحترم الكامل” الذي جاء ليخبره بأنه تقرر نفي والده (ملك العرب سابقاً) والدموع ملء عينيه وهو يفضي بالنبأ برقة حاشية وتأثر عميق كما يقول الملك عبد الله الأول في مذكراته عن هربرت صموئيل الذي أسس الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ويخاطب الملك الإنجليز رداً على عدوانهم على أبيه وكأنه يخاطب رب العالمين بقوله إن هذه الدنيا كثيرة المحن وسنصبر ونحتسب(!)[154]، ولم يكن السلطان العثماني يرفع بريطانيا إلى منزلة والديه اللذين أوجداه في الحياة ويقدم نصف مملكته إكراماً لعيونها[155]، ولم يكن المبعوث البريطاني يشرف على اجتماعاته وقراراته كما كان الجنرال كلايتون يفعل في مؤتمرات ملوك ورؤساء التجزئة[156]، ورغم معاهدات الامتيازات الأجنبية وعملية الإشراف المالي على بعض موارد الدولة بعد إفلاسها فلم يصل الاستخذاء إلى ما وصلت إليه دولة التجزئة في عزها ومجدها، وقد تنبه مؤرخ كبير هو عبد الرحمن الرافعي إلى الفارق بين حدود الهيمنة الأجنبية في الدولة العثمانية واتساعها في الولاية المصرية المستقلة، وذلك بسبب النزعة الأوروبية التي اتصف بها الخديو إسماعيل ورئيس وزرائه نوبار وتعلقهما بمساعدة أوروبا، عبر سفرائها، ضد الخلافة العثمانية[157]، ويمكننا أن نضع كل ما سبق من انبهار زعماء التجزئة بالغرب وتبعيتهم له مقابل ما أشار إليه المؤرخ مايكل أورين من أن السلطان عبد الحميد “كان يكره الغربيين ويعاديهم”[158]، والدلائل هي موضوع هذه الدراسة كلها.

للكاتب : محمد شعبان صوان
هل أعجبك الموضوع ؟
navright

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق



تابع صفحتنا في شبكة قوقيل بلس واقترحها :

تابع صفحتنا في الفيسيبوك:

ليصل جديدنا إلى بريدك تفضل بالاشتراك