الجمعة، 11 مارس 2016

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الرابع، والأخير

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الرابع


الحضور الدولي والمكانة بين الأمم

1-عندما تمكن “الرجل المريض” من ردع أصحاب الأدب المسيء:
في السنوات الأخيرة من عمر دولة الخلافة العثمانية كان الضعف قد سرى في جميع أوصالها فتراجعت وهُزمت أمام أوروبا التي أطلقت عليها لقب “الرجل المريض” الذي تنتظر وفاته في أية لحظة لتقسيم أملاكه بين هذه الذئاب المحيطة به، ولكن هذا الضعف الذي نصفه هنا إنما هو مقارنة بزمن قوتها وانتصاراتها لا بزمن كيانات الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية التي قامت على أنقاضها وولدت ميتة لا حياة فيها وغير قادرة على القيام بأبسط مظاهر الحياة منذ يومها الأول فلا تستطيع أن تطعم نفسها أو تدافع عن أملاكها إلا بحبل ممدود من الأجنبي الذي أوجدها وأعطاها شهادات ميلادها، على عكس حالة الرجل المريض الذي كان على الأقل رجلاً عملاقاً واحداً وليس مجموعة صغار مشرذمين، وحيّاً ما زالت الروح فيه رغم مرضه وضعفه، ولهذا تمكن من تحقيق انتصارات مشهودة على أعدائه الغربيين حتى في لحظاته الأخيرة في الحرب الكبرى الأولى (1914- 1918)، ورغم أن الضعف العثماني كان نكبة في زمانه فإن نظرة على شكوى أبناء ذلك الزمن تجعلنا نعيد تقويم حالة المرض تلك في ضوء حالة الموت السريري التي أُصبنا بها بعدها.
ومن أبلغ الأمثلة على ذلك ما كتبه الصحفي والكاتب السياسي المصري إبراهيم المويلحي (1844- 1906) في مجموعة مقالاته “ما هنالك” التي تتناول السلطان العثماني والحكومة العثمانية والسياسة الخارجية والداخلية بكثير من النقد والسخرية، وكانت كتابتها في الفترة ما بين 1895- 1896 في صحيفة المقطم الموالية لسلطة الاحتلال البريطاني في مصر[159]، ومن مصادر أسى كاتبها أن”دولتنا في ميزان الدول العظام أخفهن على الإطلاق كفة وأقلهن رجحاناً ولا يناقش في ذلك إلا من هو بمعزل عن العالم”[160]، فماذا سيقول أديبنا لو أنه رأى”دولتنا” وقد تحولت إلى “دويلاتنا” التي هي بين جميع الدول حتى الصغيرة والضعيفة منها – وليس بين الدول العظمى وحدها- أخفهن على الإطلاق كفة وأقلهن رجحاناً ولا يناقش في ذلك إلا من هو بمعزل عن العالم؟؟
ومما يدل على ذلك مقارنة بسيطة بين الأحداث الحالية المتصلة بالأعمال الفنية الغربية المسيئة للإسلام ونظائرها التي حدثت في القرن التاسع عشر ولكن مصائرها آنذاك اختلفت عن اليوم نتيجة رد الفعل العثماني عليها رغم ضعف الدولة وتراجعها في زمن تضمن إنجازات كبرى فوصفه الباحث المعاصر موفق بني المرجة بصحوة الرجل المريض في كتابه الشهير الذي حمل هذا الاسم.
ومن ذلك ما يحكيه المؤرخ عمر فاروق يلماز عن مسرحية “محمد” للكاتب الفرنسي ماركي دي بوريز عضو الأكاديمية الفرنسية الذي استعد لعرضها في سنة 1890 وفيها مشاهد تسيء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى الإسلام بصورة ساخرة، فتدخل السلطان عبد الحميد فحُظر عرض المسرحية في جميع أنحاء فرنسا التي لم تدافع عن العمل بحجة حرية الرأي وذكر السفير الفرنسي في استانبول للسلطان ما يلي: “أُخبر حضرة السلطان بما ورد في التلغراف الذي تلقيته الآن بشأن المسرحية المسماة “محمد”لماركي دي بوريز التي بدأ عرضها في باريس، بأن الحكومة (الفرنسية) قد اتخذت في اجتماعها هذا الصباح قراراً بمنع عرضها. وفيما أرجو إبلاغ حضرة السلطان بنتيجة ما حدث، أقدم قناعتي بأنه لا توجد وسيلة أكثر ملاءمة لإبلاغ حضرتكم هذا الخبر وأنا واثق أنه بهذا القرار الذي اتخذته الحكومة لتلبية رغبات حضرة السلطان، سيتعزز الطلب بدوام أسمى العلاقات القلبية مع الدولة العلية، ومن أن السلطان سيقدر ذلك..”، ولنقارن هذه اللغة بلغة الغرب الآمرة الناهية لحكام الاستقلال والتجزئة في أيامنا المعاصرة.
المهم أن االمؤلف دي بوريز انتقل إلى بريطانيا وحاول عرض مسرحيته في لندن “فتدخل السلطان عبد الحميد خان هناك وجعلهم لا يسمحون بعرضها”، وجرت محاولة بعد ذلك بثلاث سنوات لعرضها في لندن أيضا، ولكنها فشلت كسابقاتها[161].
ويتكلم المؤرخ يلماز نفسه عن مسرحية أخرى إسمها “جنة محمد” أريد عرضها في باريس سنة 1900، فأدى تدخل السلطان إلى تغيير اسمها وحذف مشاهدها المسيئة للإسلام، ويتحدث عن أعمال ومطبوعات معادية أخرى فشل نشرها بسبب التدخل العثماني الفعال – رغم أن النبي عليه الصلاة والسلام لا يحمل الجنسية العثمانية بمقاييس سدنة الدولة القُطرية!- وعن الصدى الحسن الذي قابل به المسلمون حتى من خارج الدولة العثمانية أعمال الدولة التي يعدونها ممثلة لهم جميعا، كما لم يتبجح الغربيون وقتها بحرية الرأي والتعبير وغيرها من حججهم التي يقذفون اليوم بها في وجوه دول التجزئة بكل استعلاء واحتقار وكأنهم أساتذة أمام تلاميذ مشاغبين لا يُقبل منهم غير الإذعان.
2-وعندما أصبحت الفنون الهابطة مصالح غربية عليا وجب علينا تبجيلها:
-مسيرة عدوان وهبوط المصالح الغربية:من المواقع الاستراتيجية والمواد الأولية والأسواق التجارية إلى الآيات الشيطانية
لا يخفى على المتأمل في تاريخ الشرق العربي الإسلامي مقدار الأذى الذي ألحقته المصالح الغربية به وبأهله من جراء لهاثها خلف المواقع الجغرافية الاستراتيجية والأسواق لبضائعها المصنعة، والمواد الأولية كالمنتجات الزراعية(الحمضيات والقطن مثلاً)في البداية ثم النفط والغاز فيما بعد، ولن ننسى أنه في سبيل الحفاظ على هذه المصالح قام الغرب برعاية إنشاء الكيان الصهيوني ليكون كلب حراسة عليها.
هذا كله من المحفوظ في تاريخنا الحديث، ومعروف أيضا الضعف الذي واجهت به دول الاستقلال والتجزئة الهجوم الغربي لانتزاع هذه المصالح من أصحاب البلاد الشرعيين، فسلمت مواردها وأراضيها لقمة سائغة للمعتدين ولم تستطع الحفاظ على حماها بسبب الضعف البنيوي الذي ولدت به في إمكاناتها وقدراتها حتى هان على أعدائها أن يستخفوا بأكثر من مليار ونصف المليار مسلم لأجل حماية كيان يهودي صغير لا تتعدى ملايينه عدد أصابع اليد الواحدة ومع ذلك يقيم الغرب لهم من الوزن أكثر مما يأبه بالمليار مسلم، وقد وصل الأمر من الإسفاف إلى درجة التلذذ غير الضروري بإهانتهم واحتقارهم كما حدث عندما استقبل الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مؤلف الآيات الشيطانية سلمان رشدي الذي استفز مشاعر مئات الملايين من المسلمين ولم يكن بالطبع مستواه الأدبي الفذ الذي لا يبارى هو الدافع إلى هذا التكريم المبالغ فيه، بل هو الاستفزاز المتعمد الذي اتخذ من الحرص المنافق على حرية التعبير برقعاً يتخفى به في الوقت الذي حورب فيه مفكر بارز كروجيه غارودي رغم هذه الادعاءات ولم يحمه هذا الستار الرقيق من الحرية المدعاة.
-بسبب فرقتنا، أصبح علينا احترام المصالح الغربية حتى لو كانت رسوماً كاريكاتيرية
اختلف الوضع اليوم عن زمن السلطان عبد الحميد مع الفنون المسيئة، ووصلت المهزلة قعرا سحيقاً عندما استقبلت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل بنفسها رسام كاريكاتير مغموراً باسم حرية التعبير التي أساء بها لمشاعر المسلمين، رغم أن هذا غير مسموح به ضد القلة الصهيونية حتى تحت نفس التبرير، وبهذا أضيفت الرسوم الكاريكاتيرية إلى قائمة المصالح الغربية التي لا يجوز لنا العبث بها وإلا حلت علينا لعنة الفن السابع كما حدث في الفيلم الأخير وربما أُضفنا إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة بتهمة ارتكاب جريمة الامتعاض ضد الإنسانية المتمسكة بحرية الرأي والتعبير!
-ألمانيا من التخلي عن المصالح الكبرى احتراماً لنا إلى التباهي بالتافهات احتقاراً لنا
أقول هذا وأنا أتطلع إلى الخلف قليلاً لأرى ألمانيا التي استخفت بنا اليوم في ظل انقسامنا كيف كانت تعاملنا بالأمس في ظل وحدتنا، ففي نهاية القرن التاسع عشر كانت ألمانيا قد أنجزت وحدتها وبنت قوتها وتطلعت لمصالحها خلف حدودها متبعة سياسة التحالف مع الدولة العثمانية تحت عنوان “التوجه نحو الشرق” ولأجل ذلك تخلت عن مصالحها الأخرى في تأييد الاستيطان اليهودي بل وأيضا عن الاستيطان الألماني نفسه في فلسطين وأرجاء الدولة.
فقد قام الإمبراطور الألماني ولهلم الثاني بزيارتين إلى الدولة العثمانية (1889) و(1898)، وفي الزيارة الثانية حاول تيودور هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية الحصول على تأييد الإمبراطور لمشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين، ولكن لوجود التعارض بين السياسة العثمانية والبرنامج الصهيوني فإن الإمبراطور خلص “إلى أن صداقة الدولة العثمانية أثمن لألمانيا من صداقة الحركة الصهيونية، ولذلك لم يكن في مقدور ولهلم الثاني أن يدلي في تلك الفترة بتصريح يرضي فيه الأماني الصهيونية، لأنه كان حريصاً الحرص كله على تدعيم صلاته بالدولة العثمانية وبرعاياها المسلمين”[162]، رغم أن ويلهلم كان يرى في تأييد الصهيونية مكسباً كبيراً ومزايا كامنة لألمانيا[163]، فأين جبابرة سايكس بيكو الذين يرى الغرب كله صداقة الحركة الصهيونية اليوم أثمن من صداقتهم جميعاً، بل تصبح صداقتهم مع الغرب تابعة لمدى حرارة علاقاتهم بالصهاينة وفي ذلك فليتنافس المهرولون، ويدلي قادة الغرب بالتصريح تلو الآخر في إرضاء الأماني الصهيونية ولا يبدون أي حرص على دعم صلاتهم بدول التجزئة ورعاياها؟
نعم لقد كان لألمانيا بالفعل مصالح في الدولة العثمانية أبرزها سكة حديد بغداد، ولكنها لم تكن أكبر من المصالح الغربية العريضة في زمننا هذا في الشرق العربي الإسلامي والتي بالرغم منها يفضل الغربيون المصالح الصهيونية على مصالح العرب والمسلمين ويمعنون في إهانتهم كما مر، ” فقد كان (السلطان) عبد الحميد أدهى من أن تبهر بصره بطولات حاميه (الألماني) الجديد، ولكنه كان يدرك قيمة مثل هذا الحليف القوي في المحافل الأوروبية، وكان كذلك واثقا بقدرته على دفع جميع المخاطر التي قد تنشأ عن رغبة ألمانية في السيطرة”[164]، ولهذا فإن ألمانيا لم تستطع أن تفرض على العثمانيين استيطاناً ألمانيّاً-فضلاً عن الاستيطان اليهودي- في بلادهم، رغم أهميته لها ضمن استراتيجيتها الحيوية لمشروع سكة بغداد الذي تقيمه بأموالها وتصور ساستها أن يحمي طريقه مليونا مستوطن ألماني[165]، ورغم حاجة العثمانيين إلى تحالفهم معها في مواجهة بقية المصالح الأوروبية وبخاصة البريطانية والفرنسية، ولكن كل هذا لم يمنع السلطان من قول “لا” مدوية لا لبس فيها في مواجهة الاستيطان الألماني بتعبير أحد المؤرخين[166]، وذلك ليبقي أراضي الدولة مخزوناً للمهاجرين المسلمين الفارين من الاضطهاد والاحتلال[167] الذي كان محتدماً في القوقاز والبلقان، وأن يحتفظ لمشروع سكة حديد بغداد ببعده العثماني رغم أهمية الدور الألماني في بنائه[168]، فأين لنا اليوم مثل هذه المواقف القوية في مواجهة المصالح الأجنبية عندما تكون هي في حاجة إلينا فضلاً عن أن نكون نحن في حاجة إليها؟
-قبر صلاح الدين بين زيارتين
وفي نفس الزيارة قام الإمبراطور ولهلم بالمرور بدمشق حيث زار قبر السلطان صلاح الدين الأيوبي ووضع عليه إكليلاً من الزهور آمراً بصنع مصباح فضي هدية للضريح بصفته معجباً بالقائد المسلم، ولعل مقارنة بسيطة بين هذا الاحتفاء و”زيارة” القائد الفرنسي غورو المهينة لنفس المكان عندما دخل دمشق فاتحاً محتلاً في عهد سايكس بيكو الذي دشنته ثورة العرب (1916) المتحالفة مع بريطانيا، هذه المقارنة كفيلة بإلقاء الضوء على مدى الانحدار الذي سقطنا فيه في مدى سنوات قليلة من التحالف مع الغرب.
-النتيجة: سر الاحترام والاحتقار
إن هذا التباين الواضح في المواقف من الفنون المسيئة بل من المصالح الكبرى بين الأمس واليوم نجد تفسيره في خطبة الإمبراطور ولهلم في دمشق حيث ألقى خطاباً قال فيه:”فليطمئن حضرة صاحب الجلالة السلطان، وليطمئن معه الثلاثمائة مليون مسلم الذين يحترمونه لأنه خليفة المسلمين، إلى أنهم سيجدون في إمبراطور ألمانيا الصديق الدائم لهم”[169]، فمخاطبة حاكم واحد يمثل أمة كبرى عدد أفرادها ثلاثمائة مليون-في ذلك الزمن-وتمتد بين المحيطات تفرض احترامه على مخاطبه وتختلف جذرياً عن مخاطبة حشد من الصغار أصحاب الهيلمان الكاذب والصولجان الزائف الذين لا يمثل الواحد منهم إلا أفراداً لا يزيد عددهم عن عدد سكان حي في مدينة ألمانية!
نظام الحكم وحدود الاستبداد
كثر الكلام عن استبداد السلطان عبد الحميد بل ودمويته أيضاً، ولكن اقتراب العدسة من الصورة يؤكد أن إسقاط المصطلح الخاص بالاستبداد العربي المعاصر على استبداد السلطان عبد الحميد فيه الكثير من التجني والتجاوز، ولإثبات ما أقوله عن آخر أيام الخلافة سأروي جانباً من علاقة أحد معارضي السلطان بالدولة في زمن أوج ما وصف باستبداده، وسنرى أنها لم تكن علاقة فريدة في زمنه:كان يوسف ضياء باشا الخالدي(1842-1906) نائباً عن فلسطين في مجلس النواب الأول 1877-1878 “وبرز في مقاومته ونقده لسياسة السلطان عبد الحميد وفي ازدرائه (أي السلطان)للدستور…وصفه يوجين شيلر، القنصل الأمريكي في العاصمة العثمانية، بقوله:لقد أثار يوسف زوبعة في البرلمان بجرأته…إنه ينتقد السلطان والموظفين الفاسدين والأتراك بشكل عام بألفاظ فظة” ف”قرر(السلطان) حل البرلمان…وبعد يومين، تقرر نفي عشرة أعضاء بارزين من المعارضة” ويخيل للمرء للوهلة الأولى أن النفي سيكون إلى ما وراء الشمس حيث لا يصل مخلوق فإذا بنا نفاجأ أنه “نُفي”إلى وطنه ليتقلب في المناصب الرسمية!
“وصل يوسف الخالدي إلى ميناء يافا…وانتقل منها إلى القدس، فتسلم رئاسة البلدية مرة أخرى(!) وفي تشرين الأول أكتوبر 1878 أرسله رءوف باشا على رأس أربعين فارساً لإحلال النظام في الكرك(!)….وسافر يوسف إلى فيينا في أواخر أيلول سبتمبر 1879 (!)، بعد أن استقال من رئاسة البلدية…..وفي السنة التالية أصدر في فيينا ديوان لبيد العامري (!)….وعن تعيين يوسف ضياء مدرساً في جامعة فيينا جاء في جريدة الجوائب التي كانت تصدر في الآستانة، العدد رقم 984 الصادر في 7/1/1880، ما يلي:إن حضرة عزتلو ضياء أفندي الخالدي الذي كان مبعوث القدس الشريف بالآستانة……(ثم تذكر أخباره وسعيه في نفع بلاده حتى في الغربة)…”
“وفي سنة 1881 عاد يوسف ضياء إلى فلسطين وعين قائمقاماً في يافا (!)، ثم مرجعيون في السنة التالية (!)، وبعدها عين حاكماً على مقاطعة موطكي في الشمال الغربي من بتليس التي يسكنها الأكراد (!)، وهناك أتقن اللغة الكردية فوضع بعد ذلك قاموساً وصدر في الآستانة سنة 1892-1893 تحت اسم الهدية الحميدية في اللغة الكردية(!). ويظهر أن يوسف تصالح مع الباب العالي والسلطان عبد الحميد فعاد إلى الآستانة للعيش فيها (!)” ولنر كيف كانت هذه المصالحة:”ذكره الكاتب البريطاني أمري في مذكراته ، ص69-70، بقوله:إن يوسف ضياء، كشاب متحمس، تمتع في الماضي بحرية واسعة في البرلمان في نقد الدولة وسياستها…وحتى في قصر السلطان، وبحضوري، كان هذا الباشا الصريح يردد على مسامع عزت باشا (كاتب السلطان) الحديث عن شرور نظام عبد الحميد، وهذا(أي عزت باشا) يسمعه بخنوع ويطلب منه فقط ألا يرفع صوته عاليا”(!!)، هذا هو السلطان المستبد الأحمر الذي ضاقت الأرض بظلمه: ينفي عدوه إلى موطنه ويقلبه في الوظائف والسفريات والرحلات حيث يتعلم اللغات و ينشر ما شاء له من مؤلفات وتكتب أخباره بتفخيم صحف العاصمة حيث مركز الاستبداد، ولما يصالح المنفي ظالمه يدخل قصره وينقده بصوت عال فلا يجد من يتصدى له إلا ربيباً يحفظ جميله القديم ويقدم ذلك على الرعب من السلطان الأحمر في عقر داره ويرجو من صاحب الصوت العالي أن يخفض من صوته فقط (!!) فإذا علمنا أن هذا الأسلوب من”العقوبات الرادعة” هو الذي كان متبعاً في خلافة عبد الحميد، علمنا مدى الاستغفال الذي أقنعنا بمظالمه وتمنينا في نفس الوقت لو كنا من معارضيه ليرسلنا في رحلة نفي سياحية كالتي حصل عليها يوسف باشا الخالدي لنعود بعدها ونرفع صوتنا المعارض في عقر قصره (!)، وقد اقتبست النصوص السابقة من كتاب أعلام فلسطين في أواخر العهد العثماني ولم أتدخل قدر الإمكان لأنقل الحقيقة كما سطرت إلا في علامات تعجبي[170].
ومن الأدلة على أن هذا التسامح مع المعارضة هو الذي كان سائدا أننا كلما قرأنا عن معارض ارتبط ذكره بما منح له، فالأستاذ أحمد الشقيري رحمه الله يذكر أنه ولد في “معتقل” والده في قلعة تبنين في لبنان زمن السلطان عبد الحميد[171]، وإنه لاعتقال طريف هذا الذي يعيش صاحبه مع أسرته وينجب ما شاء له من الأبناء، والأطرف أن هذا المعتقل ، بعدما “حررته”بريطانيا من الاستبداد العثماني انتهز الفرصة “للانتقام” من ظالمه بطريقته الخاصة فكان “يتحدث بحرارة المؤمن المنافح عن أيام الباب العالي في إستانبول وعن الموقف الشهير الذي وقفه السلطان عبد الحميد في رفضه استقبال هرتسل مؤسس الصهيونية”[172]، ويذكر الأمير شكيب أرسلان في رحلته الحجازية أثناء حديثه عن الوصول للطائف:”وقد أنزلتني إمارة الطائف في دار شاهقة كانت تخص أحد أمراء الأكراد ممن نفي إلى الطائف أيام السلطان عبد الحميد”[173]، وفي حوادث سنة 1905 من تاريخ العراق بين احتلالين خبر نفي بعض العلماء منهم ثابت الآلوسي ومحمود شكري الآلوسي إلى بلاد الترك ولكن”لم يطل أمر تبعيدهم ولا تجاوزوا الموصل وإنما تشبث أهل الموصل من علماء وأعيان كما تشبث الأستاذ الحاج علي علاء الدين الآلوسي الذي كان في استنبول في إرجاعهم فعادوا بعد مدة قصيرة”[174].
فهل هذه النماذج وغيرها مما يضيق المقام بها تناسب ما علق بأذهاننا من الاستغفال الاستشراقي عن الاستبداد العثماني الأحمر؟وهل تقارن بما ساد بعدها من مركزية دويلات سايكس بيكو؟ ألسنا بحاجة إلى إعادة النظر في تاريخنا لنبني عليه ما يناسبنا لا ما يملى علينا من مصالح غيرنا؟
طريقة مواجهة الثورات والأزمات
يروي الأمير شكيب أرسلان أنه عندما جرى الانقلاب على السلطان عبد الحميد سنة 1909 نصحه الصدر الأعظم توفيق باشا بعدم المقاومة خوفاً من حرب أهلية، وأنه كان يحيط بقصر يلدز سبعة آلاف من الجيش الخلص للسلطان، إلا أنهم لم يروا السلطان ناوياً المقاومة، فخضعوا لمحمود شوكت باشا قائد الانقلاب[175]، وقد أكد السلطان أنه لم يكن يرغب في إراقة دماء جنوده لأن الأمة لم تعد تثق به[176]، ولو كان مستبداً ودموياً إلى الحد الذي صوروه به لما أصغى لتوفيق ولا لأي رفيق، ولسفك الدماء ودمر البلاد في سبيل عرشه.
ورفض طلب العون الأجنبي من سفراء الدول الكبرى القادرين على حمايته “لم أتدن حتى أطلب لنفسي حماية دولة أجنبية وأشخاص أجانب”[177]، كما رفض الهرب والفرار “لم أنحط ولم أتدن إلى درجة الفرار” ورغم توقعه أن يحدث له ما حدث لعمه القتيل السلطان عبد العزيز ، ورغم قدرته على الفرار من هذا المصير “ومع هذا، فلو قطعوا لحمي إرباً إرباً ، فلن أفكر في اللجوء إلى دولة أجنبية، إن الهروب من الوطن يوجب العار، بل إن أكبر أنواع الانحطاط والسفالة أن يرتكب إنسان مثلي يحكم دولة منذ ثلاث وثلاثين سنة، عملاً مثل هذا ، إني مستسلم لله ولقضائه”[178]، ورفض كذلك العودة على أسنة الرماح الأجنبية “لست بالسلطان الذي يرفعه الإنجليز أو الألمان إلى العرش، لا أرى الله حاكماً قط ذلة أن يكون مديناً لدولة أجنبية في ارتقاء لعرش أو لبس لتاج”[179]، ومن الواضح أن الله لم يستجب دعاء السلطان في ملوك التجزئة الذي أتى جميعهم على أسنة الرماح الأجنبية ولم يغيروا ما بأنفسهم فلم يغير الله ما بها، ولما اقتربت جيوش الحلفاء من اسطنبول في الحرب الكبرى وفكرت الحكومة في نقل العاصمة والخروج من المدينة رفض السلطان المعزول عبد الحميد ذلك واستشهد بموقف الإمبراطور البيزنطي الذي مات دفاعاً عن القسطنطينية يوم فتحها، ولما زاره طلعت باشا أحد أركان الاتحاد والترقي لاقتراح الخروج أجابه بالقول:”لا، لست أقل من قسطنطين الإمبراطور البيزنطي، إنني أعرض طاعتي الكاملة لحضرة صاحب الجلالة أخي (السلطان محمد رشاد) ، وإني خرجت من سلانيك بناء على إرادته الشاهانية، لكني لن أخرج من استانبول ، إني أسترحمه بشرف أجدادنا ألا يخرج هو أيضاً من استانبول”، وقد وصف الباشا حالة السلطان لما طلب إليه الهروب من العاصمة بأنه أصابته حالة أشبه بالجنون مطالباً أخاه بإبداء نفس الصلابة والثبات وحب القسطنطينية التي أبداها الإمبراطور قسطنطين، وهو ما “علينا نحن أحفاد المغفور له السلطان محمد الفاتح”[180].
فأين كل ذلك من استبداد تجزئة سايكس بيكو ومذلتها ومخابراتها وانحطاط أنظمتها الديكتاتورية واللائذة بالحماية الأجنبية؟
السلطان عبد الحميد وآخر أيام الخلافة في الذاكرة
إن كتاب “السلطان الأحمر عبد الحميد” مؤلف استشراقي يحكي قصة حياة هذا السلطان بأسلوب تلخصه صورة الغلاف المليئة بالقتل والدم والرقص والبذخ إضافة لقسوة تعابير وجه السلطان الغارق في كل ما سبق، وقد أصبح هذا الاختزال من مخلفات الماضي، ولكن المهم ما قاله المؤلف “جون هاسلب” في خاتمة الكتاب تحت عنوان “السنوات الأخيرة” التي أعقبت خلع السلطان عن العرش: “لا نعرف الشيء الكثير عن السنوات الأربع الأخيرة من حياة عبد الحميد….(و) ربما لم يكن عبد الحميد يوماً ، أقرب إلى شعبه مما كان عليه في تلك الأيام، حين امتزجت همومه الشخصية بمخاوفه على مستقبل بلاده، في وقت كانت فيه مدافع مدينة غاليبولي تدوي عبر المضايق، ودخول الغواصات البريطانية إلى بحر مرمرا يزرع الذعر في العاصمة…ثم تتابعت الكوارث، وأخذ الناس يترحمون همساً وبأصوات منخفضة، على زمن سعيد مضى، زمن كان فيه “البابا حميد” جالساً على عرش سلاطين بني عثمان”[181].
ويؤكد ذلك الأستاذ سعيد الأفغاني الذي كتب من دمشق في مجلة العربي الكويتية تحت عنوان “عبد الحميد في ذاكرة شعبه”: “إني أعي في طفولتي-وقد نزل من ويلات الحروب وضياع البلاد والمجاعة والقحط أيام الحرب العامة الأولى- الناس وهم لا يملون من ذكر أيام عبد الحميد بالخير والرحمات، وكانت كلمة (سقى الله تلك الأيام) لازمة تتردد على الألسنة كلما ذكر عبد الحميد وعهده، ولقد كان عندهم خلع عبد الحميد هو الباب الذي منه تدفقت على البلاد المصائب والشدائد والضياع، ومالي أرجع إلى عهد الحداثة (أي صغر السن) وأنا الآن كلما جلست إلى معمر أو أصغيت إلى حديث يدور بين طاعنين في السن أسمع الترحم على عبد الحميد وعلى أيامه، حتى صار اسمه حناناً في قلوب الناس، تجسد فيه عزهم السابق ورخاؤهم وأمنهم وسلامة مقدساتهم”[182].
الاستنتاج
كانت الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر “تكافح لإصلاح ذاتها والحفاظ على وجودها دولة حديثة “[183]كما يقول المؤرخ جستن مكارثي، فقامت بإنجازات عديدة رغم الظروف المعاكسة، ولكن أعداءها لم يتركوا لها “فسحة للتنفس”، وأصروا على استنزافها بالحروب والمؤامرات حتى لحظاتها الأخيرة ، وكان الاستنزاف الغربي للدولة يستهلك نسبة عظمى وصلت إلى 95% من ميزانيتها في خدمة الديون والإنفاق على الجيش لحماية الدولة[184]، وفق أرقام بداية القرن العشرين، ولو قدر لبلادنا الاحتفاظ بوحدتها والسير في تقدمها بنفس المعدل منذ آخر أيام الخلافة لكنا في مكان آخر اليوم ولكن القضاء على وحدة مجالنا السياسي أصبح هدفاً لقوات الحلفاء في الحرب الكبرى ولهذا تم تقطيع أوصال الدولة العثمانية بعد الحرب بطريقة لم تطبق حتى على ألمانيا زعيمة دول الوسط، مما أدى إلى قطع الطريق على إنجازاتنا السابقة وأفقدنا إمكانات البناء الموحد المتأتية من تنوع الموارد الاقتصادية في المجال الجغرافي الواسع وأدى فرض التجزئة الاستعمارية إلى تدمير المشاريع الوحدوية الكبرى التي وصلت بين أرجاء أمتنا ومنع احتمالات قيام مشاريع جديدة ، كما أدى فرض الهيمنة الأجنبية الانتدابية إلى فرض التبعية للقوى الغربية المهيمنة على اقتصاديات بلادنا التي أصبحت عاجزة عن الاكتفاء الذاتي لقلة مواردها الناتجة عن صغر مساحات كياناتها المجهرية بالإضافة إلى فرض نمط من التطوير الاستعماري الذي لم يأخذ في الحسبان إلا مصالح المراكز الإمبريالية المهيمنة ولذلك كانت جميع مظاهر التطوير متجهة لخدمة هذه المصالح الغربية فلم تؤد إلى تغيير الهياكل الاقتصادية في دول التجزئة لصالح تنمية اقتصادية مستقلة وهو عجز يشير إليه واقع هذه البلاد بعد نهاية الانتدابات بكل وضوح ، وكل ما سبق يعطي أجيالنا درسا موثقا عن أهمية الوحدة وإنجازاتها، لأن منطق الوحدة والكيان الجامع حتى مع الضعف الطارئ أفضل من منطق التجزئة والفرقة الملازم للاستسلام والتبعية، فالكيان الكبير يفرض على أصحابه منطق الدولة العظمى الذي يقتضي الاستقلال والتميز عن بقية القوى الدولية والعمل المستمر على البقاء في المقدمة ويتمكن من ذلك بالإمكانات الكبيرة المتوفرة لديه من الاتساع الجغرافي كما نرى في الدول الكبرى اليوم، أما الكيانات الصغيرة العاجزة عن إطعام أنفسها والدفاع عن حدودها وتلبية حاجات مواطنيها لقلة إمكاناتها فإنها لا ترى الحل إلا في التبعية للدول الكبرى المعادية لقضايانا والتي حققت اكتفاءها على حساب ثرواتنا المبعثرة بين أيديها بعد عجز أصحاب هذه الثروات عن حسن استغلالها وحماية حقوقهم فيها.

الكاتب : محمد شعبان صوان
المصدر : أرشيف الدولة العثمانية
هل أعجبك الموضوع ؟
navright

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق



تابع صفحتنا في شبكة قوقيل بلس واقترحها :

تابع صفحتنا في الفيسيبوك:

ليصل جديدنا إلى بريدك تفضل بالاشتراك