الجمعة، 4 مارس 2016

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الأول

سياسات آخر أيام الخلافة الإسلامية، الجزء الأول


“في كل مرة كان نظام عربي أو إسلامي يحاول الانفتاح على الحداثة كان الغرب يقطع عليه الطريق أو يحطم رأسه، فأمس مع محمد علي ، والسلاطين المجددين، وأقرب من الأمس كان عبد الناصر، علماً أن تجربة مصدق في إيران لن تسقط من الذاكرة”[1] من كتاب “فكرة ما عن الجمهورية تقودني إلى…” لوزير الدفاع الفرنسي السابق جان بيير شوفنمان الذي استقال احتجاجا على حرب الخليج الثانية (1991).
“إن القوى الأوروبية لم تكف عن عرقلة أي محاولة تحديث للمناطق التي تود وضعها تحت وصايتها، وتقدم مصر محمد علي، والإمبراطورية العثمانية، أمثلة معروفة عن تلك العراقيل، لا يمكن بطبيعة الحال أن نعرف إن كان تحديث مصر لأكثر من ثلاثين عاماً على يد الباشا ذي الأصول الألبانية أو إن كانت التنظيمات العثمانية بإمكانها أن تؤدي-وبعد أي مدة زمنية-إلى تحولات حاملة لحداثة اجتماعاتية، ولكننا نعرف في المقابل، أن القوى الاستعمارية قد وضعت حداً، وبأسرع ما يمكن، وبالقوة في أغلب الأحيان، لمثل هذه المشاريع” المؤرخة التونسية ذات الأصول اليهودية صوفي بيسيس[2].
إجابات أسئلة النهضة
لا يزال النقاش بين المدارس الفكرية في أمتنا حول كيفية الخروج من نفق التخلف، في نفس المربع الذي بدأ فيه منذ مدة طويلة جدا[3]، ورغم وجود تيار قوي عارض في البداية فكرة الإصلاح، فإن الوضع الآن مختلف، حيث تجمع مختلف التيارات على ضرورة التغيير ولكنها تختلف في هويته: هل يتم بالمحافظة على الهوية والأسس الحضارية لأمتنا مع مقاومة التدخل الأجنبي؟ أم بالذوبان في الغرب وخدمة مصالحه والتبعية له فكرياً وسياسياً واقتصادياً؟[4] أما التنمية وفقاً لمنهج التغريب ولكن بالاستقلال عن مراكز القرار الغربية فقد قطع الغرب نفسه الطريق عليها ودمر محاولاتها منذ التنظيمات العثمانية إلى محاولات النهضة العربية التي قادتها التجارب الناصرية والبعثية، ولم يستفد النقاش الدائر بين المدارس المختلفة من الحوادث والنكبات التي مرت على أمتنا وكان من الممكن أن تلقي ضوءاً على حقيقة صراع القوى وأهداف أطراف هذا الصراع بما يفيد في تحديد اتجاه الطريق الذي ينبغي السير فيه، وقد كانت مجتمعاتنا في آخر أيام الخلافة مستعدة للدخول في العصر الحديث وخطت خطوات مهمة في هذا الاتجاه ولو قدر للإجابة الحضارية التي قدمها عصر السلطان عبد الحميد الثاني أن تكتمل وأن تصل إلى نهايتها المنطقية دون تدخل خارجي يقطع الطريق عليها فإنها كانت مدخلاً معقولاً إلى النهضة والتحديث في المجالات السياسية الداخلية (الوحدة) والخارجية (الاستقلال) والاقتصادية (التنمية المستقلة)والاجتماعية (التعايش)، ولأنجزت كل ذلك أفضل مما قامت به دول الاستقلال الوهمي والتجزئة المجهرية فيما بعد، ولكن أوروبا لم تترك الدولة العثمانية تلتقط أنفاسها للحظة، وأدخلتها في دوامة مستمرة من المؤامرات والصراعات الداخلية والخارجية أدت في النهاية إلى إلغاء الكيان الجامع المتمثل في الخلافة نفسها وضرب المشروع الحضاري والانحدار بنا من سافل إلى أسفل على يد دول الاستقلال والتجزئة التي أقامها الاستعمار على الأنقاض العثمانية حتى وصل بنا الحال إلى ما نشاهده من فساد وذل وتبعية وشرذمة لا يبدو لها قرار في هذه الهوة السحيقة.
وقد كتب الكثير عن مظاهر الضعف والتراجع في آخر سني الدولة العثمانية ، ولكن مع ذلك فقد حققت الخلافة في آخر أيامها الكثير من الإنجازات رغم كل العقبات، وإن كانت الأجيال الحديثة لا تذكر سوى رفض بيع فلسطين للصهاينة، إلا أن المتتبع يتبين له أن هذا الإنجاز لم يكن سوى أحد إنجازات أخرى كثيرة بل لم يكن أكبرها، وهو لا يحتل سوى مكان ضئيل في مذكرات السلطان عبد الحميد وفي التأريخ لعهده، وسبب تضخمه لدينا هو انبطاح دولة التجزئة التي استسلمت للمستعمرين الذين اختلقوا كارثة الكيان الصهيوني فيما بعد، أما دولة الخلافة فكان ذلك الإنجاز، الضخم عندنا، إنجازاً ضئيلاً من إنجازاتها حتى في آخر أيامها زمن الضعف والتراجع والهزيمة، ولعل أهمها بالنسبة إلينا هي أن بلادنا العربية تمتعت بآخر مظاهر وحدتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي لم تستطع الدول التي نشأت بعدها وفقا لاتفاقيات التجزئة كسايكس بيكو (1916) والحكم الثنائي (1899) والعقير (1922) وحداء وبحرة (1925) حتى مجرد العودة إلى هذه المظاهر فضلاً عن تحقيق ما هو أفضل منها ، هذا بالإضافة إلى مشاريع التنمية العملاقة، وفيما يلي ملخص لما كنا فيه وكان مرشحاً للتطور لولا قطاع الطرق الحضارية من الغربيين:
الإصلاح والتنظيمات والتحديث
بدأ شعور العثمانيين بالخلل الذي تسلل إلى دولتهم في منتصف القرن السادس عشر[5]، ومنذ ذلك الوقت جرت محاولات للإصلاح اتخذت مع الزمن طابع الإعجاب بأوروبا ومحاولة تقليدها ولكن هذا التقليد لم يتخذ طابعا رسمياً إلا مع تطبيق سياسة التنظيمات في النصف الأول من القرن التاسع عشر وكان هدف هذه السياسة على الصعيد النظري إصلاح أحوال الدولة والقضاء على الفساد والتخلف اللذين استشريا فيها، أما عملياً فإن هدفها كان محاولة إرضاء دول الغرب الأوروبي في زمن ظُن فيه أن إرضاء أوروبا يعني وقف تدخلها ويساعد الترقي المكتسب من معارفها على الوصول للقوة الرادعة، وبخاصة بعد أن وقف الغرب إلى جانب السلطنة في إيقاف زحف والي مصر محمد علي الذي كان يسابق السلطان في كسب رضا الأوروبيين، أما في المجال النظري فقد اتخذت إجراءات سطحية لا تمس جوهر التخلف مثل تغيير الأزياء والتشبه بالعادات الغربية وبناء القصور المكلفة على الطراز الأوروبي والاهتمام بالموسيقا الأوروبية، وأما فيما يتعلق بالجوهر وهو الحصول على رضا الغرب فقد اتخذت إجراءات تشريعية نتج عنها تكريس الضعف السياسي والتبعية الاقتصادية للسوق الأوروبية وإيجاد وسائل جديدة للتدخل في شئون الدولة العثمانية رغم أن هذه النتائج لم تكن مقصودة منذ البداية بل كان الهدف هو التمكن من التصدي للهيمنة الغربية[6]، ومع ارتقاء السلطان عبد الحميد الثاني سدة حكم السلطنة 1876م اتخذت عملية الإصلاح منحى جديداً نبع من إيمانه أولاً: بأن الإسلام هو”القوة الوحيدة التي تجعلنا أقوياء”[7] ، وثانياً: بأن أوروبا لا تريد الخير لدولته ، “إنها دسيسة كبرى اختلقوها وسموها إصلاحاً”[8]، “كان الإنجليز يعرفون أن الإصلاحات التي يوصون بها من شأنها أن تغرق الدولة العثمانية سريعاً، تماماً مثلما أعرف أنا”[9]، وثالثاً:بأن ظروف الدول مختلفة، فما يصلح لواحدة قد يضر أخرى، “الدواء الناجح يصبح سماً زعافاً إذا كان في يد غيرالأطباء”[10]، ورابعاً:بأن مسار التقدم الأوروبي ليس هو المسار الوحيد للتقدم ومن يملك حضارة أخرى جديرة بالسيادة كالحضارة الإسلامية يمكنه صناعة نموذج آخر للتطور، “الأوروبيون يتوهمون أن السبيل الوحيد في الخلاص هو الأخذ بحضارتهم جملة وتفصيلاً، مع أن أكثر رجال العلم يعترفون أن الثقافة العثمانية الإسلامية جديرة بالهيمنة، كالثقافة الغربية على أقل تقدير، ولاشك أن طراز التطور عندنا هو غير ما عند الأوروبيين، علينا أن نتطور تحت ظروف طبيعية ومن تلقاء أنفسنا”[11]، وخامساً:بأن التطور يجب أن يكون نابعاً من الحاجات الداخلية وليس بفرض إرادة خارجية، “الأمور القيمة يجب أن تكون طبيعية وأن تأتي من الداخل وحسب الحاجة إليها، ولا يمكن أن يكتب لها النجاح إذا كانت على شكل تطعيم من الخارج”[12]، ولهذه العوامل كان يرفض عملية التقليد للغرب وإن كان يرى أن الإسلام لا يمنع اقتباس العلوم والتقنية وأسباب القوة بشرط أن يكون الاقتباس حسب الحاجة الداخلية للدولة وليس تنفيذا لأوامر من الخارج[13]، فالغرب لا يسير إلا خلف مصالحه الذاتية ولهذا فإنه لن يساعد في تقديم المساعدة العلمية للدولة طالما أنه يمكنه بيعها جاهزاً ما تود هي تصنيعه[14]، هذا فضلاً عن أنه يسعى لتفتيت الدولة العثمانية والقضاء عليها ولذلك فقد أثبتت التجربة أن اتباع نصائح أوروبا وتنفيذ أوامرها لن يأتي إلا بالهزيمة والدمار[15]، هذا إلى جانب أن ما يصلح لدولة تتكون من عنصر واحد قد يكون سمّاً لدولة تتكون من عناصر شتى من السكان[16]، وظروف دولة تقع في أقصى الأرض تختلف عن ظروف دولة تقع في وسط الوحوش[17].
ولو قارنا هذا الاعتزاز بانبهار الزعامات العربية الوطنية بالأجانب لتملكنا العجب، ويمكننا أن نختار الزعيم المصري جمال عبد الناصر وهو من أكثر الزعماء العرب استقلالية ومع ذلك يقول عن نفسه:”القدوة التي أسترشد بها (في سياسة عدم الانحياز)…ليست هتلر ولا ستالين، إنها جورج واشنطن …لما وصلت إلى الحكم كنت ميالاً إلى الأميركيين. إني أحسن التكلم بالإنكليزية. كنت أقرأ المجلات الأميركية وكنت معجباً بما حققه الأميركيون على الصعيد الفني. بل كنت أظن أن طريقة الحياة الأميركية هي أفضل ما يمكن أن يكون.وبكل سذاجة كنت مقتنعاً بأن الأميركيين هم أعداء الاستعمار. ومن ثم بدأت أيأس لكثرة ما استقبلت منهم وما تفاوضت مع ممثليهم”[18]، وللأسف فإن هذا الانبهار ترك أثره على السياسة إلى ما بعد هزيمة حزيران.
المعرفة والعمران
قام السلطان عبد الحميد بمحاولة نهوض شامل في كافة أرجاء السلطنة وتحديثها- دون تغريب- مركزا على محورين:المعرفة والعمران، وذلك كما يقول المؤرخ يلماز أوزتونا، مع محاربة التأثيرات الفكرية والسياسية الغربية التي-إضافة إلى أنها نابعة من حضارة أوروبا التي لا سبيل إلى جمعها مع حضارة الإسلام في رأيه[19] ـ فتحت الباب لاستقطاب الولاء للغرب بين العثمانيين، ولهذا حاول إعطاء هذه النهضة محتوى إسلامياً بدعم نشر الفكر والرابطة الإسلاميين؛ فتحت بند المعرفة: تم تأسيس كليات الهندسة ، والطب ، والعلوم ، والآداب ، والحقوق، والعلوم السياسية، والفنون الجميلة، والتجارة، والزراعة، والبيطرة ومعاهد المعادن، والغابات، والتجارة العسكرية، والمعلمين واللغات، كما تم بناء المدارس الابتدائية ونشرها في قرى السلطنة، بالإضافة إلى المدارس المتوسطة في مراكز الأقضية والمدارس الثانوية في مراكز الألوية، هذا بعد أن كان بناء المدارس يسير ببطء إلى بداية حكم السلطان وقد نتج عن انتشار المدارس في عهده تضاعف أعداد من يقرءون ويكتبون إلى نسب عالية وصلت إلى خمسة أضعاف أو أكثر مقارنة ببداية القرن التاسع عشر وفي بعض المدن إلى عشرة أضعاف[20]، فكان ما شهدته الدولة انفجار أو فورة تعليمية- بتعبير المؤرخيْن شو- نشرت آلاف المدارس في كل مكان فيها ونهضة ثقافية عدها هذان المؤرخان من أغزر ما شهده تاريخ الدولة في هذا المجال، وتمثل ذلك في غزارة طباعة الكتب والصحف والمجلات[21]، ومازالت دولة الاستقلال والتجزئة في العالم العربي تعاني من أعلى معدلات الأمية في العالم وتبلغ نسبة الأمية فيها ضعف معدلها العالمي، وتشمل عشرات الملايين الذين يتزايد عددهم ويؤلفون اليوم ربع سكان البلاد العربية حسب إحصاءات 2013 (موسوعة ويكيبيديا)رغم مرور قرن تقريباً على زوال الحكم العثماني الذي ألصقت به تهم الجهل والأمية، ورغم كثرة مظاهر التحديث والعصرية في هذه البلاد التي انبلج فيها فجر الاستقلال وتحول سكانها من رعايا إلى مواطنين وفقا لدعاوى أنصار الدولة القُطرية، ورغم أن أمماً غيرنا عبرت الفجوة ووصلت قمة العالم في هذه الفترة الطويلة، ولكننا ما زلنا مشغولين بالندب بسبب حظنا العثماني (!).
وقد حرص السلطان على أن يكون محتوى التعليم إسلامياً بمراقبة المناهج واستبعاد أصحاب الميول الغربية والانفصالية من هيئات التدريس[22]، كما عمل على نشر الفكر الإسلامي عن طريق طباعة وتوزيع الكتب الإسلامية ، ومن أمثلة ما حرص عليه شخصياً: أمره بطباعة صحيح البخاري سنة 1892 في المطبعة الأميرية في مصر، وكذلك أمره بطباعة كتاب إظهار الحق للشيخ رحمة الله الهندي الذي يحتوي على مناظرات مع المبشرين، ولعل في هذين المثلين ما يصور طبيعة نظرته المؤكدة على الفكر الإسلامي ووجوب التصدي للتأثير التبشيري الذي لم يكن آنذاك منفصلا عن الهيمنة الاستعمارية، ومن المرافق العلمية كذلك: المدارس الصناعية ومدارس الصم والبكم والمكتبات: كمكتبة بايزيد ومكتبة يلدز، والمتاحف كمتحف الآثار القديمة والمتحف العسكري.
أما عن العمران: فقد شمل المشاريع المائية، والبريدية، وسكك الحديد، والمعامل المختلفة، والمستشفيات، والغرف التجارية، والصناعية، والزراعية، ودور العجزة والنفوس، كما تم في هذا العهد إدخال الهاتف، والسيارة، والترام، والتلغراف، في مواصلات واتصالات الدولة. وشهد زمن السلطان عبد الحميد كذلك مشاريع عمرانية كبرى كسكة حديد بغداد التي كان من المخطط أن تصل عواصم أوروبا باستانبول فبغداد فالكويت والتي بذلت بريطانيا كل ما في وسعها لتعطيلها، وأدت هذه السكة مع سكة الحجاز إلى إعمار كثير من المناطق التي مرتا بها في الأناضول والهلال الخصيب والجزيرة العربية، كما أنشئت سكك الحديد الأخرى في بلاد الشام التي تفوقت على الأناضول في نسبتها، ومدت شبكة التلغراف في أنحاء الدولة، وشهدت مدن عربية مثل بيروت عمراناً استثنائياً، وعمرت المواقع الفلسطينية المهجورة لمناهضة الاستيطان الصهيوني، وبنيت مدينة بئر السبع(1900)لتوطين العشائر البدوية التي شهدت عملية استقرار ملحوظة في أنحاء الدولة التي شجعت هذه العشائر على ذلك بمد العمران (بناء الناصرية والعمارة في جنوب العراق مثلا)، كما استهدف بناء مدينة بئر السبع مناهضة تمدد الاحتلال البريطاني من مصر حيث دعم السلطان عبد الحميد الحركة الوطنية بزعامة مصطفى كامل باشا ضد الاحتلال البريطاني دعماً مطلقا كما سيأتي.
مجالات أخرى شملها التحديث في عهد السلطان عبد الحميد
لم تقتصر النهضة الحميدية التحديثية على المعرفة والعمران، بل شملت نواح أخرى لاقت درجات متفاوتة من النجاح منها:
الاقتصاد
شهدت العهود التي سبقت عهد السلطان عبد الحميد تسللاً واسع النطاق للنفوذ الاقتصادي الغربي في الدولة العثمانية نتيجة لما أحدثته سياسة التنظيمات ولجوء الحكام إلى الاقتراض الموسع من الدول الغربية ، ورغم تأكيد بعض الباحثين على استمرار اندماج اقتصاد الدولة في العهد الحميدي بالاقتصاد الأوروبي الرأسمالي ـ بشكل تابع طبعاً ـ وذلك لعدم قدرة السلطان على وقف الموجة العاتية، فقد رأيناه يتخذ كثيراً من الإجراءات للحد من النفوذ الغربي، ولعل أهم هذه الإجراءات هو تقليص نفقات الدولة ، وقد شمل ذلك العديد من النفقات غير الضرورية التي كانت تهدر في السابق ، مع عدم المساس بالسلع الرئيسة التي يعتمد المواطن عليها كالخبز مثلاً[23]، وكان هدف سياسة الترشيد.
هذه هو عدم اللجوء للاقتراض من الخارج، هذا الاقتراض الذي أفلس الدولة وقيد استقلالها وجعل مواردها بأيدي أعدائها، وقد حاول تنظيم سداد الديون بإنشاء لجنة الديون العمومية التي مثلت الدائنين في سنة 1881 ودخل في مفاوضات معها جعلها تخفض الدين إلى ما يقارب النصف (56.6%) وتخفض الفائدة إلى 5% كذلك، وتم وضع بعض موارد الدولة تحت تصرف هذه اللجنة وأصبحت الديون تسدد بانتظام ، وشجع مقاومة الهيمنة التي حاول الدائنون فرضها على زراعة التبغ وتغاضت الدولة عن عمليات التهريب التي ضربت احتكار الدائنين في الصميم، ومن تلك الإجراءات المناوئة للنفوذ الاقتصادي الغربي أن السلطان كان يحجم عن تنفيذ بعض المشاريع إذا أحس بالخطر من تسرب رأس المال الأجنبي بواسطتها ، أو يتوجه إلى جهات غير طامعة لتنفيذ هذه المشاريع، كطلبه من اليابان التنقيب عن النفط في الموصل بعد رفضه إعطاء الامتياز للإنجليز وغضبه من خداع حلفائه الألمان[24] وقد استمر الاقتصاد العثماني في عهده بالاعتماد على قاعدة الذهب والفضة وكانت النقود الذهبية والفضية متداولة أكثر من العملة الورقية وحتى هذه كان بالإمكان تحويلها إلى معادلها من الذهب في كافة أنحاء العالم[25].
وتمكنت الدولة من تحقيق إنجازات اقتصادية أخرى إذ حافظت إلى آخر أيامها على أهمية التجارة بين ولاياتها وكانت التجارة الداخلية مقدمة على التجارة الخارجية وهو ما تفتقده بلادنا في زمن التجزئة إذ يسيطر الغرب على معظم تجارتها ولا تكوّن التجارة بين البلاد العربية إلا 8% من مجموع تجارتها، كما حافظت الدولة على درجة عالية من الاكتفاء الذاتي الغذائي على عكس دول التجزئة التي تستورد معظم غذائها حتى لو كانت بلاداً زراعية تقليدية وتخضع لسلاح الغذاء الذي يشهره الغرب في وجه العرب إذا حاولوا استعمال سلاح النفط لنصرة قضاياهم، ولم تعتمد الدولة العثمانية على تصدير منتج واحد بل نوعت منتجاتها الزراعية على عكس حالة التجزئة العربية التي صنعها الاستعمار، وقاومت الدولة كذلك تمدد الصناعات الغربية فحافظت على كثير من الصناعات الحرفية التي ظلت توفر معظم الحاجات لسكانها، ودخلت عصر التصنيع الآلي رغم الصعوبات الاقتصادية وشهد عهد السلطان عبد الحميد وما بعده إنشاء كثير من المصانع(*) حتى في مجال التسلح الذي كان العثمانيون يصدرونه إلى الخارج إضافة للاستخدام الداخلي، ولم تستسلم الدولة لمطالب الدائنين بعد إفلاسها سنة 1875 وفرض السلطان عبد الحميد عليهم تسوية ألغت نصف الديون كما مر وتجنبت الدولة بذلك مصير ولاياتها التي أصرت على الاستقلال عنها مثل مصر وتونس مما أدى إلى تفرد المستعمرين الدائنين بهما فوقعت في براثن الاحتلال الأجنبي البريطاني والفرنسي، وتمكن برنامجه الاقتصادي من زيادة الإيرادات بنسبة 43% في غضون ربع قرن مما أثار انتباه المؤرخين، كما جذب الاقتصاد العثماني في هذه الفترة استثمارات أجنبية في البنية التحتية ولكنه لم يستسلم لمتطلبات المصالح الأجنبية وتمكن من فرض المصالح العثمانية على عملية إنشاء المشاريع الاستثمارية، وكانت الدولة قادرة على الاختيار بين عروض الاقتصاديات الغربية عندما تمكن السلطان عبد الحميد من تحويل المنافسات الاستعمارية على بلاده إلى منافسات اقتصادية لتطويرها، وكانت الدولة الكبرى التي تعادي الدولة العثمانية يتضاءل نفوذها التجاري أو الاستثماري أو المالي تبعاً لذلك كما حدث مع بريطانيا، والعكس يحدث مع الدول التي تعرض صداقتها دون أطماع طاغية كما حدث مع ألمانيا[26].
الجيش
كان السلطان عبد الحميد يرى أن الإعمار أهم من دخول الحروب حتى لو تم إحراز النصر فيها، لأنها تأتي بالويلات والدمار للبلاد، والمجد المتحصل منها زائف[27]، ولهذا فإنه لم يدخل مختاراً في حرب إلا دفاعاً عن النفس ولكن ذلك لم يمنعه من تحديث جيشه تحسباً ليوم عصيب، فزوده بالأسلحة الحديثة واستدعى المدربين والمستشارين العسكريين للإفادة من خبراتهم، وقد أثبت الجيش فعاليته في حرب اليونان 1897م ، ومن إنجازات السلطان تمويله لتجارب الغواصات التي نتج عنها النجاح في إعادة تركيب الغواصتين عبد المجيد 1887 وعبد الحميد 1888 في استانبول بعد شرائهما من بريطانيا مفككتين[28]، ومن إنجازاته أيضا تحصين مضائق العاصمة بطريقة مكنت القوات العثمانية من صد هجمات الحلفاء في سنة 1915م أثناء الحرب العالمية الأولى وتحقيق الانتصارات المشهورة في شبه جزيرة غاليبولي .
و ظل الجيش العثماني محتفظا بقدر كبير من التماسك والعناد حتى آخر أيامه وارتفع عدد جنوده من 24 ألفا سنة 1837 إلى 120 ألفا سنة 1908[29]، وصمد في وجه روسيا (1877-1878) وانتصر على اليونان (1897) ثم دخل الحرب الكبرى الأولى (1914)ليستعيد ما احتله الحلفاء من قبل وليخلص الدولة من قيود الامتيازات الأجنبية التي ألغيت بالفعل منذ بداية الحرب، وشرع في عملية الاسترداد فعلاً في كل من مصر (1915)وليبيا (1916) وتمكن من تحقيق انتصارات مهمة على جبهات مضائق استانبول (غاليبولي)والقوقاز والبلقان وفلسطين (غزة) والعراق (كوت العمارة) والجزيرة العربية (سكة الحجاز) ، وقد لمس البريطانيون في أثناء الحرب “خطورة الجيش العثماني”[30]الذي دربه الألمان وأثبت أنه “قوة ضخمة لم تكن في الحسبان”[31]، وفي ذلك يقول أحد المؤرخين إن الجيش العثماني قام بأداء جيد طوال الحرب : فقد هزم البريطانيين والأستراليين والنيوزيلنديين على ضفاف غاليبولي وأجبر الغزاة البريطانيين على الاستسلام في كوت العمارة وصد الغزاة الروس والجيوش البلقانية ومنعهم من التقدم[32]، ويقول مؤرخ آخر إن الجيش العثماني أثبت أهميته أكثر من توقعات الجميع وقاتل تحت إمرة أنور باشا في خمس جبهات متفرقة وانتقل تحت تأثير النجاحات إلى الهجوم لاسترداد الحدود السابقة للدولة[33]، ولكن الانتصار في معارك لا يعني الانتصار في الحرب وبخاصة أمام غيلان الغرب المتحالفة التي صممت على تدمير دولة تمثل آخر مظاهر وحدة المسلمين كما أكد على ذلك بلفور ولورنس في أثناء الحرب.
القضاء
كان السلطان عبد الحميد يؤمن بأن العدل هو الأساس الذي قامت عليه الدولة العثمانية التي لو كانت قد جلبت الظلم لتفتتت منذ البداية[34]، ولهذا حاول القيام بإصلاح في مجال القضاء هدف إلى تحقيق المساواة بين الجميع أمام القانون وكفالة تطبيق العدالة بأسرع وقت عبر التنظيم التشريعي و الإداري، ومن الإجراءات التي اتخذها في هذا الحقل: إنشاء كلية الحقوق لإعداد رجال قانون متخصصين، وتنظيم وزارة العدل وعلاقاتها بمختلف أنواع المحاكم ووضع برنامج للإصلاح استهل بقوانين صدرت بداية من سنة 1879؛ ويقول الأستاذ الدكتور عبد العزيز الشناوي عن أثر هذه الإصلاحات نقلاً عن المؤرخْين شو : “وقد حققت هذه القوانين وغيرها مستوى رفيعاً من العدالة والنزاهة والنظام في البنيان القضائي لم تشهد الدولة له من قبل مثيلاً. وكان جميع المتقاضين في المحاكم المدنية على اختلاف درجاتها وكذلك جميع المتهمين أمام محاكم الجنايات متساوين أمام القانون بصرف النظر عن دياناتهم أو مذاهبهم أو مراكزهم الاجتماعية”[35]، ولكن الغرب لم يكن سعيدا بهذه الإصلاحات لأنها وضعت العثماني والأجنبي أو المتمتع بالحماية الأجنبية داخل الدولة العثمانية على قدم المساواة، وأصرت الدول الأوروبية على عدم تطبيق القوانين الجديدة على رعاياها مستندة في ذلك إلى معاهدات الامتيازات الأجنبية[36]، ويؤكد المؤرخان شو أنه رغم تدخل القصر في بعض القضايا المتعلقة برجال مشاهير، فإن ذلك لم يؤثر على انتشار العدالة الذي أدى إلى حماية حقوق الجماهير بصورة أكثر اتساعاً وشمولاً من الماضي[37]، وهو ما يؤكد أن الإصلاح الإسلامي لم يكن من هموم أوروبا وكانت تقف ضده إذا لامس مصالحها وهو أمر مازلنا نعاينه إلى يومنا هذا.
ثمار الإصلاح الحميدي في تقويم المؤرخين
يقول المؤرخ العربي الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى سنة 1982في كتابه “في أصول التاريخ العثماني”:”انتهى منذ زمن طويل اعتبار عصر السلطان عبد الحميد مجرد فترة يغلب عليها الطابع الرجعي”[38].
ويصف المؤرخ نيكولاس دومانيس عصر السلطان عبد الحميد بقوله إن خسارة أراض بلقانية واسعة لصالح الانفصاليين المسيحيين في بداية عهده (1878) أدت إلى أن تفسح القومية العثمانية مكانها إلى فكرة الجامعة الإسلامية، فقد ركز النظام الجديد اهتمامه على رعاياه المسلمين مثل الأتراك والأكراد والعرب والتتار والشركس والألبان بصفتهم أساساً لدولة ناهضة، وقد استمر تحديث هذه الدولة وتركيز السلطة فيها وتمكن السلطان بحلول نهاية عهده من إحكام السيطرة على الموارد البشرية والمادية أكثر من أي من أسلافه، وأقيمت مرافق الدولة المختلفة على أسس رشيدة وعقلانية بشكل ملحوظ في كل من الجيش والإدارات المحلية والتعليم العام والاتصالات مثل السفن البخارية والطرق وسكك الحديد وشبكة البرق الكهربائي (التلغراف) بالإضافة إلى القصر السلطاني نفسه. وبدأ المجتمع العثماني واقتصاده بإظهار مميزات المجتمع الحديث، فبحلول سنة 1900 طغت السكك الحديدية والسفن البخارية على النقل الحيواني والشراعي، وتضاعفت بين 1830-1914 أعداد السكان في استانبول وإزمير وسالونيك في الوقت الذي تضاعف فيه عدد سكان بيروت بين 1800-1914 خمسة عشر ضعفاً من 10 آلاف إلى150 ألفا، وكان هذا التمدد المديني ناتجا عن انتشار زراعة التصدير التي تبعها توسع في التجارة الداخلية والخارجية، وبينما عانت الصناعة العثمانية من تمدد البضائع الغربية الرخيصة بين 1800-1870، فقد شهدت نهضة كبيرة بعد ذلك وانتشرت المصانع حول مراكز المدن لاسيما في استانبول وسالونيك وإزمير وبيروت، كما انتشرت التنظيمات العمالية واحتجاجات العمال. وفي سنة 1908 امتلكت استانبول 285 مطبعة، وصحافة نقدية نابضة بالحياة تراوحت انتقاداتها بين السياسة وبعض مساوئ الحياة العصرية[39].
ويقول المؤرخ دونالد كواترت إن حكم السلطان عبد الحميد الثاني أعاد القوة للسلطنة في أواخر سبعينيات القرن التاسع عشر، وإنه تخلى عن موقف الأقلية الليبرالية وتبنى رد فعل إسلامياً على سياسة التنظيمات ولكنه واصل الإصلاحات التكنولوجية التي بدأها أسلافه وأعاد التركيز على مواجهة التغريب الثقافي بعد بعث الوعي الإسلامي”ومع نهاية القرن ، كانت الحكومة قد استخدمت نصف مليون موظف مدني على الأقل.ولم يديروا الأموال فحسب، بل اضطلعوا أيضا بوظائف ترتبط الآن بالواجبات العادية للدولة الحديثة. لقد أدار موظفو الدولة المستشفيات ، ومراكز الحجر الصحي، ومئات من المدارس العلمانية (أي التي تضيف إلى مناهجها علوما غير متصلة بالشريعة الإسلامية مباشرة كالجغرافيا والمحاسبة والهندسة واللغات الأجنبية)، وكذلك المزارع النموذجية والمدارس الزراعية، ناهيك عن بناء الطرق السريعة، وخطوط التلغراف، والسكك الحديدية وصيانتها”[40].
ويقول المؤرخ أندرو ويتكروفت إن إنجازات السلطان كانت ضخمة في المجال المالي والمجال العسكري اللذين تولى السلطة وهما يشغلان الدولة بسبب الإفلاس والحرب مع روسيا، ورغم أن خطابه الإسلامي ينتمي إلى الماضي، فقد كان أكثر مجددي المجتمع العثماني فعالية وأثراً، ورغم تعطيل العمل بالدستور زمناً طويلاً، فإن هذا المؤرخ يذهب إلى أن كثيراً مما يرتجى من هذا الدستور تحقق فعلاً في زمن السلطان، فقد زود الدولة بالبنية الأساسية للتعليم الثانوي، وبشبكة من السكك الحديدية، وبخطط لتطوير شبكة الطرق في أواخر عهده، ومدت شبكة البرق الكهربائي فوق أرجاء الدولة ووصلت إلى المدن الصغرى، وتمكن من توجيه موظفي الدولة بشبكة ضخمة من الموظفين التابعين للقصر وصل عددهم إلى 12 ألفاً، وبواسطة عيونه المبثوثة في كل مكان كان قادراً على معرفة ما يدور في الأماكن الريفية البعيدة أكثر من المسئولين المباشرين لها، كما كان السلطان عبد الحميد من أوائل الذين قدروا أهمية الصورة الشمسية التي مكنته من تقويم المعلومات التي تصله، فقد تبين له جسراً غير مكتمل البناء في الوقت الذي يخبره فيه حاكم المنطقة أنه مكتمل، أو تريه سوقاً فارغاً في الوقت الذي تصله فيه أخبار كاذبة عن توفر الطعام في هذا السوق، أو تصور له مدرسة مهجورة كان من المفترض أنها مليئة بالطلبة[41].
وقال المؤرخان شو إن السلطان عبد الحميد عد نفسه مصلحا وكان كذلك بالفعل رغم أنه لم يكن يؤمن بالحكم الديمقراطي نتيجة استغلال القوى الكبرى والأقليات لوجود البرلمان لأغراضها الخاصة بعيداً عن المصالح العثمانية مما استنتج منه عدم استعداد الدولة في ذلك الوقت لتطبيق هذا الشكل من الحكم بعدما كان مستعداً في البداية له، ولهذا فمن الخطأ الافتراض أنه جلس على العرش بنيّة تطبيق الحكم الفردي، وإنه تمكن بحكمه الفردي هذا من جمع شتات دولته والدفاع عنها، وإحياء مجتمعها والوصول بمعظم الإصلاحات إلى نتائج ناجحة، وأصبح بذلك آخر رجال إصلاحات التنظيمات الخيرية[42].
ويقول المؤرخ بيتر مانسفيلد إنه رغم أن السلطان كان يتبنى ذهنية رجعية(بالمفهوم الغربي)، فإنه يمكن عده وفقاً للشروط الحديثة مجدداً ومحدثاً ولكن ليس متغربناً، وقد كان له إنجازات لا يمكن تجاهلها طوال تاريخ حكمه الممتد[43].
ويلخص المؤرخ عباس العزاوي المحامي إنجازات السلطان بالقول إنه “قام بأعمال قد يقصر عنها غيره”[44].
السلطان عبدالحميد والوحدة الجامعة
ارتبط اسم السلطان عبد الحميد في معظم الدراسات بفكرة الجامعة الإسلامية التي دعا إليها واتخذها سياسة رسمية له، وقد توصل إلى ضرورتها بعدما رأى تكالب دول الغرب على العالم الإسلامي داخل الدولة العثمانية وخارجها، وكان لرأي القانوني العثماني الكبير أحمد جودت باشا (1823-1895)واضع مجلة الأحكام العدلية مساهمة كبرى فيما وصل إليه السلطان، وذلك بعدما خاب أمل الباشا في سياسة التنظيمات وتقليد الغرب فتوجه مثل الكثيرين غيره إلى الفكر الإسلامي لاستلهام وسائل إصلاح الدولة العثمانية ولم شمل المسلمين “للوقوف صفا واحدا أمام غطرسة العالم الغربي وعمله الدءوب في استعمار البلاد الإسلامية ونهب خيراتها والتدخل في شئونها”[45]، وهو ما أشار إليه المؤرخان شو عندما قالا إن السلطان عبد الحميد تبنى فكرة الجامعة الإسلامية لمواجهة الإمبريالية الغربية والحركات القومية التي هددت دولته، بل إنهما يؤكدان وجود وانتشار الفكرة الجامعة في الفترة التي سبقت عهد السلطان عبد الحميد، إذ كانت ردة فعل على اضطهاد المسلمين في القرم والبلقان والهند والجزائر والذي قورن بالتسامح الذي يعامل به غير المسلمين في الإمبراطوريات الإسلامية، كما كانت ردة فعل على نتائج سياسة التنظيمات التي تخلت عن المثل الإسلامية وجلبت الأزمة المالية للدولة العثمانية واستغلتها أوروبا لتدمير الصناعات التقليدية وجعل العثمانيين يعتمدون على القروض مرتفعة الفوائد، ثم جاء احتلال فرنسا لتونس واحتلال بريطانيا لمصر ليؤكدا النفور من الغرب، ثم أتى الاحتجاج الصاخب من قبل ساسة وصحافة أوروبا على عمليات القتل المحدودة التي طالت المسيحيين في الدولة العثمانية في نفس الوقت الذي غض فيه الغرب النظر عن المذابح واسعة النطاق التي وقعت للمسلمين في البلقان وآسيا الوسطى فيما بدا أنه بعث لتعصب القرون الوسطى، فكان كل ما سبق هو ما أدى إلى انتشار فكرة الجامعة الإسلامية بين المسلمين في رأي هذين المؤرخين[46]، وقد عمل السلطان عبد الحميد على جمع المسلمين تحت راية الخلافة وربط قلوبهم جميعا باستانبول لعلهم يتمكنون من صد الهجمة الاستعمارية التي كانت في ذروتها إبان عهده ولم يستثن أحدا من المنتمين للإسلام من دعوته مهما كان مذهبه أو قوميته أو موقعه الجغرافي، وإذا كان الأعداء قد تغلبوا على قوة المسلمين المادية فإن قوتهم المعنوية ستبقى صامدة في رأيه ولا أمل لهم إلا بالوحدة التي ستجعل المحتلين تحت النفوذ الإسلامي خوفا من إعلان الجهاد ضدهم[47]، وقد تجاوبت مع دعوة السلطان طوائف وقوميات من المستحيل أن نرى لها مرجعية واحدة اليوم في الزمن الأمريكي كما كانت الخلافة الإسلامية مرجعيتها جميعاً فيما مضى.
السلطان عبد الحميد والشيعة والأباضية والدروز
وقد صار العهد الحميدي تطوراً ملحوظاً عن الماضي فيما يتعلق بالعلاقة بين أهل السنة والشيعة حين حاول إزالة الاحتقان الذي رسبته قرون من سوء التفاهم والعداوة، وقد بدأت بوادر هذا التقارب في دعم الدولة انتشار القيم الإسلامية مهما كانت سنية أو شيعية بين أبناء العشائر في جنوب العراق لحثهم على الاستقرار والزراعة كما وظفت الدولة السلطة المعنوية لعلماء النجف وكربلاء و السادة لمساعدتها على تحقيق هذا الهدف وكف أيدي العشائر عن الغزو والنهب والإغارة وحثها على الالتزام بأحكام الشريعة، ومدت السلطة العثمانية يد العون كذلك لعلماء الشيعة في تصديهم للحركة البابية في منتصف القرن التاسع عشر[48]، ثم فتح السلطان عبد الحميد للشيعة أبواباً كانت مغلقة مثل حرية التعبير والنشر والدعوة وإحياء المناسبات حتى في عاصمة الخلافة حيث أراد اتخاذ الطائفة الشيعية فيها “واجهة للوحدة الإسلامية في السلطنة” كما تقول الدكتورة صابرينا ميرفان[49]، وهو توجه بدأ قبله ولكنه تعزز مع اتخاذ الجامعة الإسلامية سياسة رسمية، كما غض النظر عن تشيع كثير من أبناء جنوب العراق ولم يعد ذلك توجهاً معادياً للخلافة مما أثار حفيظة بعض المتشددين من أبناء السنة في هذا الشأن، ولكنه فضل الرد على ذلك ببناء المدارس وتأهيل الدعاة وفي ذلك يقول الأستاذ بشير موسى نافع إن “التوجه الرئيس للدولة العثمانية في عصر السلطان عبد الحميد (1876-1909) كان توجهاً وحدوياً إسلامياً، وتحت جناح الدعوة إلى الجامعة الإسلامية والحاجة لمواجهة التحديات الغربية للإسلام وأهله، مضى سنة العراق وشيعته نحو أفق جديد لعلاقاتهم”[50]، وقد امتد أثر الجامعة الإسلامية إلى مراجع الشيعة في إيران وهو أمر لم يسر السفير البريطاني(**) فكتب تقارير خاصة ومفصلة عن تأثير سياسة السلطان على الأوساط الإيرانية ولاحظ بلهجة لا تخلو من الخبث البريطاني المعروف ” أن الكراهية والغيرة القديمتين بين المحمديين السنة والشيعة قد تضاءلت كثيرا في الوقت الحاضر رغم أنها لم تصبح بعد من مخلفات الماضي، وهذا الوضع الجديد يعزى إلى أعمال السلطان الذي يقوم سفيره في طهران بالاحتفاظ بعلاقة وثيقة بقادة الاتجاه الديني ، كما يقوم السلطان نفسه بإرسال هدايا إلى كبار العلماء الإيرانيين ويقال بأن واحداً من أبرزهم عميل سياسي سري له…..وقد فوجئت لسماع الثناء على السلطان الذي كان إلى فترة قريبة يعد مستحقاً للعنات بصفته خليفة عمر، ولا بد أن هذا الثناء ليس مخلصاً جداً”[51](!!) كما قام مجموعة من العلماء بدعم اقتراح حركة الجامعة الإسلامية بأن يكون السلطان عبد الحميد على رأس العالم الإسلامي، ولأول مرة منذ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، يخاطب علماء الشيعة طوعاً خليفة سنياً بلقب أمير المؤمنين[52] طالبين إليه “التدخل بصفته خليفة للمسلمين في مواجهة الشاه وحلفائه الروس، وقد وقعت هذه البرقية بعلماء الفرقة الجعفرية”[53]، وخلافا لاستنتاج الدكتورة ميرفان ، فإن ذلك لم يكن ليحدث لمجرد تطبيق الدستور في الدولة العثمانية لأن هناك دولاً غربية كثيرة لديها دساتير أعرق من الدستور العثماني كان يمكن الاستنجاد بها، ولو كانت توجه السلطان عبد الحميد كتوجه جده السلطان سليم الأول مثلاً تجاه الشيعة لما تمت هذه الخطوة الجريئة، كما أن أحداثاً أخرى أكدت وجود هذا التوجه الوحدوي وذلك عندما بدأ الغزو الإيطالي لليبيا سنة 1911 “فاجتاحت بغداد عاصفة من الغضب وحالة غير مسبوقة من التضامن العلمائي والشعبي السني والشيعي وأصدر علماء السنة والشيعة بما في ذلك كبار علماء النجف فتاوى الجهاد وضرورة بذل النفس والنفيس لنصرة الدولة….كما نظم سنة بغداد وشيعتها مسيرات مشتركة”، ولما قامت الحرب الكبرى سنة 1914 اتبعت جمعية الاتحاد والترقي سياسة السلطان عبد الحميد في التضامن الإسلامي فأعلن علماء العراق السنة والشيعة الجهاد لنصرة الخلافة العثمانية وقاد المراجع وكبار العلماء قوافل المجاهدين[54] وذلك خلافاً للحجاز السني الذي أعلن الثورة على العثمانيين (1916)، وأفادت تقارير ضباط الاستخبارات العسكرية البريطانية “أن الثورة التي نشبت في الحجاز لم يكن لها أي وقع في نفوس القبائل العراقية التي كانت في معظمها من الشيعة”[55]، وكانت القبائل “تقدم العون للأتراك وتشترك معهم في القتال”[56].
ويمكننا أن نتعرف على نبض الحياة اليومية في الشارع الشيعي من شعر السيد جعفر الحلي (1861-1898) شاعر أهل البيت والعراق في زمنه والذي نعثر في ديوانه “سحر بابل وسجع البلابل”الذي حققه مرجع الشيعة الأكبر في زمنه آية الله الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء على قصائد عديدة في مدح السلطان عبد الحميد بصفات بعضها ذات دلالة مميزة في عقائد الشيعة مثل “إمام العصر” و”خليفة عصرنا” و”حامي الدين” و”حارس الإسلام” و”من لك بيعة في عنق كل موحد”، ويذكر في هذه القصائد إنجازات السلطان كالانتصار على اليونان الذي هو انتصار الإسلام ، بالإضافة إلى رعاية النجف الأشرف ويحتفي الحلي بذلك وهو من كان مديحه”لا يعرف الخضوع”[57] مما يدل على ما لا يمكن أن نراه اليوم من التواصل الاجتماعي الذي كان قائما بين طوائف المسلمين دون تشنج او أسوار عالية كالتي عرفها الزمن الأمريكي، وكل ما سبق مما يلفت الانتباه في ظل العصبيات الطائفية التي نعيشها اليوم في المكان نفسه (العراق)، كما حاول السلطان عبد الحميد التقارب مع إيران لتفويت الفرصة على بريطانيا وروسيا اللتين تطمعان في أراضي الدولة العثمانية وإيران معا، وقد أسف في مذكراته السياسية لعدم قيام تعاون عثماني-إيراني بالمستوى المطلوب مؤكدا وجوب “مضاعفة الجهود وبذل التضحيات لجعل ذلك الأمر المنشود حقيقة ملموسة” لأن جوهر الإسلام واحد، مثنياً على جهود السيد جمال الدين الأفغاني في هذا المجال[58] وذلك قبل أن يكتشف ارتباطاته البريطانية بواسطة ويلفرد بلنت، بل إن دعوته لم تستثن حتى الدروز، ويحكي الأمير شكيب أرسلان أنه عندما كان جماعة من مشايخ دروز حوران في استانبول أمر السلطان بأن يصلوا الجمعة خلفه في جامع يلدز[59].
كما اتصلت الخلافة بزعماء عُمان الأباضيين لإبعاد النفوذ الإنجليزي عن المنطقة وقد توثقت هذه الاتصالات بعد احتلال مصر سنة1882 كما جاء في ندوة العلاقات العمانية العثمانية المنعقدة في استانبول في أكتوبر2012، وكان عضو مجلس المبعوثان فيما بعد سليمان باشا الباروني أبرز أعلام الأباضية من رجال الجامعة الإسلامية.

الكاتب : محمد شعبان صوان
المصدر : أرشيف الدولة العثمانية
هل أعجبك الموضوع ؟
navright

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق



تابع صفحتنا في شبكة قوقيل بلس واقترحها :

تابع صفحتنا في الفيسيبوك:

ليصل جديدنا إلى بريدك تفضل بالاشتراك